الغيبة أيضا ؛ لأنّه منصوب من قبلهم ، وحكمه في زمان الغيبة حكمهم إن لم نقل بأنّ المراد من الإمام ما يشمله أيضا ، أعني مطلق الحاكم ، لا الإمام الأصل .
ولا يضرّ ورود الأخيرين في مورد التقيّة ؛ فإنّ القدر المعلوم أنّ فعله عليه السّلام كان تقيّة ، وأمّا قوله : « ذاك » الذي هو بيان للحكم فلم يعلم كونه تقيّة ، بل ولعلّ الظاهر خلافه ؛ فإنّ التقيّة إنّما كانت تحصل بالفعل خاصّة ، وبه مع القول بغير ذلك ممّا لا يستلزم الفتوى ، كما لا يخفى ، فقوله عليه السّلام : « ذاك » مع أنّ « الضرورات تقدّر بقدرها » شاهد على عدم التقيّة فيه جدّا ، ولا أقلّ من الشكّ ، فالأصل عدمها بالنسبة إليه ، كما لا يخفى .
وللمرويّ عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس فجاء أعرابي فشهد برؤية الهلال فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مناديا ينادي : من لم يأكل فليصم « 1 » ، بهذا التقريب أيضا .
ولأنّ سيرة الناس في زمانهم عليهم السّلام كانت على الرجوع إلى القضاة والحكّام المنصوبين في البلاد ، ولم يعهد منهم عليهم السّلام تنبيه أصحابهم على خطئهم في ذلك وكونه بدعة ، كما اتّفق في سائر ما بأيديهم من البدع والمنكرات ، فهو شاهد على أنّ ذلك هو الحكم واقعا ، وإن كانوا في رجوعهم إلى حكّامهم من حيث إنّهم حكّامهم مخالفين للحقّ ، كما لا يخفى .
ولما في الجواهر من إمكان تحصيل الإجماع عليه ، خصوصا في أمثال هذه الموضوعات التي من المعلوم الرجوع فيها إلى الحكّام ، كما لا يخفى على من له خبرة بالشرع وسياسة بكلمات الأصحاب « 2 » .
ولكن أنت خبير بما في الجميع من الوهن .
أمّا العموم ؛ فلأنّا لم نجد خبرا له عموم أو إطلاق يشمل المقام ، إلّا نحو قول الحجّة في التوقيع الرفيع : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أخبارنا » « 3 » ، وعمومه لما يشمل المقام غير واضح ؛ لقوّة انصرافه إلى الفروع المتجدّدة التي لا يعلم الحكم فيها ، والمخاصمات التي لا يعلم كيفيّة القضاء فيها ، أو مطلق المرافعات ونحو ذلك ممّا لا مناص فيه من الرجوع إليهم ، لا مثل ما نحن فيه الذي يكفي فيه قيام الشهادة عند كلّ أحد - كما سمعت - وليس هو إلّا كسائر الموضوعات المشتبهة التي لا يرجع فيها إلى الحاكم ، بل ولعلّ في جعل المرجع
هامش
( 1 ) راجع سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 302 ، باب شهادة الواحد على رؤية الهلال .
( 2 ) جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 360 .
( 3 ) كمال الدين وتمام النعمة ، ج 2 ، ص 483 - 484 ، ح 4 . وفيه : « رواة حديثنا » .