وهذا الحديث - كسابقه - يدلّ بوضوح على أنّ إثبات الهلال أيضا من وظائف القاضي ؛ إذ مقتضى وحدة المعنى المستعمل ووحدة المعنى الجدّي بمقتضى وحدة السياق هو كون الجواز والنفوذ في الموردين نفوذا قضائيّا أو من توابعه .
ويؤيّد ذلك أنّ حكم القاضي في القضاء ليس ولويّا بحتا ، بل فيه شائبة الطريقيّة ؛ خلافا لما في كلمات بعض المعاصرين ، فهو ليس ولويّا محضا ، وليس طريقيّا محضا أيضا ، فقوله صلّى اللّه عليه وآله :
« إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان » « 1 » لا يغيّر الواقع ، لكن فيه جنبة تنفيذيّة ، وهي وجوب متابعة القاضي ، وعدم الردّ عليه .
الرواية السادسة : الصحيح إلى عبد الله بن سنان عن رجل - نسي حمّاد بن عيسى اسمه - قال :
صام عليّ عليه السّلام بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان ، فرأوا الهلال ، فأمر مناديا ينادي : اقضوا يوما ، فإنّ الشهر تسعة وعشرون يوما « 2 » .
وهذه الرواية بالالتفات إلى ما تقدّم في بقيّة الروايات يظهر منها أنّ هذا الموضوع العامّ بيد الإمام عليه السّلام ومن وظائفه .
الرواية السابعة : صحيحة عيسى بن أبي منصور أنّه قال :
كنت عند أبي عبد الله عليه السّلام في اليوم الذي يشكّ فيه ، فقال : « يا غلام ؛ اذهب ، فانظر أصام السلطان أم لا ؟ » فذهب ثمّ عاد ، فقال : لا ، فدعا بالغداء ، فتغدّينا معه « 3 » .
وموضع الاستشهاد : أنّ الوليّ المتصرّف الغاصب كان بيده هذا الأمر ، وهو كاشف عن سيرة المتشرّعة من جهة الكبرى ، وهي أنّهم يجعلون هذه الوظيفة من مهمّات من بيده الأمر وإن كان المصداق غير شرعي ، فالرواية وإن لم يصرّح فيها باللفظ أنّه من وظائف الإمام إلّا أنّها دالّة على أنّ المرتكز في سيرة المتشرّعة أنّ هذه المسألة بيد الوليّ المتصرّف ؛ إذ ثبوت الهلال ترتبط به عدّة من المهامّ والوظائف التي هي واضحة أنّها من مختصّات الوليّ
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 229 ، ح 552 ؛ وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 232 ، أبواب كيفيّة الحكم ، الباب 3 ، ح 1 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 158 ، ح 444 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 296 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 14 ، ح 1 .
( 3 ) . الفقيه ، ج 2 ، ص 79 ، ح 352 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 131 ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الباب 57 ، ح 1 .