التنبيه الرابع : عدم الاعتداد بالآلات الرصديّة في الرؤية
هل يثبت الهلال بالرؤية وبالعين المسلّحة كالتلسكوب ، أم لا بدّ من العين المجرّدة في تعيين مبدأ الشهر ؟ أو التفصيل ، فتارة لا يمكن أن يرى الهلال بالعين المجرّدة ، وأخرى يمكن ذلك ، إلّا أنّ الموانع تقع حاجبة في تحقّقها أو لعدم الاستهلال ورئي بالعين المسلّحة .
الفرض الأوّل : وهو ما إذا لم يمكن مشاهدته بالعين المجرّدة ،
وشوهد بالعين المسلّحة ، ففي هذه الحالة الاتّفاق حاصل على عدم الاعتداد بهذه الرؤية .
والسرّ في ذلك يعزى إلى أنّ ابتعاد القمر عن تحت الشعاع ليس هو موضوع الحكم بشكل مطلق ، بل ابتعاده عن الشمس بحيث يتكوّن وتشتدّ أشعّة انعكاسه بنحو يرى على سطح الأرض بالعين المجرّدة ، كأن يبتعد عن الشمس بمقدار عشر درجات فضائية ، أمّا لو ابتعد عنها بأقلّ من هذا المقدار ، فإنّه لا يتمكّن من رؤيته بالعين المجرّدة ، وإنّما يمكن رؤيته بالعين المسلّحة .
فالترديد في المقام فيه تباين موضوعي ، لا أنّ الموضوع واحد ، والاختلاف منشؤه الطريق لهذا الموضوع ، كما قد يتوهّم ؛ إذ أنّ الموضوع ليس هو جرم القمر ، وإلّا فإنّه يمكن أن يرصد ويرى القمر بالعين المسلّحة طوال دورانه حول الأرض ، سواء كان في حالة المحاق أم في غيرها .
وإنّما الموضوع هو منازل القمر ، وهو قوله تعالى :
قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ
« 1 » ومنزلة القمر تختلف من حالة إلى أخرى ، فإذا ابتعد القمر عن الشمس بمقدار درجتين ؛ فإنّ هذه منزلة ، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يرى بالعين المجرّدة ، وإذا ابتعد عن الشمس بمقدار عشر درجات ، فإنّها منزلة أخرى وميقات آخر أيضا ، وفي هذه الحالة يمكن أن يرى بالعين المجرّدة ، فمن حيث الزمن يوجد في المنازل اختلاف ، وكذلك من حيث المسافة الفضائيّة ، فأيّ منزلة هي ميقات وموضوع الحكم ؟
ففي المقام موضوعان لا موضوع واحد ، والطرق إليه مختلفة حتّى يقال بإمكان ثبوت
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .