الدليل الثالث
وهو تبادر رؤية بلد المكلّف نفسه من لفظة « الرؤية » من ألسنة الروايات ؛ إذ لسانها على نمطين :
الأوّل : لسان مطلق لم يقيّد الرؤية فيه برؤية المخاطب في بلده .
الثاني : لسان مقيّد برؤية المخاطب كالتعبير : « إذا رأيت » .
فإمّا أن يرفع الخصوصيّة عن بلد المكلّف بقرينة الإطلاق ، أو يرفع اليد عن الإطلاق بقرينة الخصوصيّة .
والصحيح في المقام رفع اليد عن الإطلاق وحمله على الخصوصيّة ، وذلك لأمور :
الأوّل : انصراف المطلق إلى الرؤية في بلد المكلّف والمخاطب ، أو باستظهار العموم الاستغراقي كبقيّة الموضوعات لسائر الأحكام لا صرف الوجود ، بقرينة اختلاف مبدأ الليل والنهار في البلدان .
الثاني : اختلاف المطلقات بالقرينة على أنّ المراد بالرؤية رؤية بلد المكلّف .
ففي صحيحة محمّد بن عيسى - المتقدّمة في الطائفة الرابعة من الدليل الأوّل - : « ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس » وهي بلاد تقع في غرب بلد الراوي ، فالفرض محلّ النزاع في المسألة ، بينما جوابه عليه السّلام - مع أنّه عبّر بالمطلق كبقيّة ألسنة المطلقات في الرؤية - ظاهر في رؤية بلد المكلّف بقرينة السؤال - كما تقدّم في فقه الرواية مفصّلا في الدليل الرابع لغير المشهور - قال : « لا صوم من الشكّ ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » أي رؤية بلدك ، فرؤية أهل الأندلس ليست طريقا وملازما لرؤيتك .
وكذا التقريب في صحيحة أبي عليّ بن راشد ، المتقدّمة ، وفيها : « ولا تصم إلّا للرؤية » .
الثالث : ظهور الرؤية المطلقة في رؤية المكلّف من المقابلة المتكرّرة في عدّة من الروايات بين الرؤية وشهادة العدلين ، كما في صحيحة منصور بن حازم في قوله : « صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته ، وإن شهد عندك . . . » « 1 » .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 157 ، ح 436 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 287 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 11 ، ح 4 .