الأمر الخامس : أنّ استفادة قول غير المشهور محتاج إلى مئونة
لم تتحمّلها روايات القضاء .
بيان ذلك : أنّه اتّضح من الدليل العقلي أنّ المقياس في بدء الشهر القمري هو أوّل الليل ، لكن على قول غير المشهور قد تكون بداية الشهر من نصف الليل أو ربعه .
وإذا كانت الماهيّة المرتكزة للشهر القمري عند العرف هو بالبدء من بلد الرؤية من أوّل الليل ، فهل يمكن أن نستفيد من إطلاق الدليل ماهيّة غير ما هي متقرّرة عند العرف ؟
وبتعبير آخر : لا يمكن أن تكون الإطلاقات لبعض الأفراد رادعة عن المعنى المرتكز في الأذهان ، ولا تقوى على التصرّف في موضوع تكويني واضح ثابت ، بل يحتاج إلى دليل مستقلّ وصريح ، وروايات المقام لا يمكن تحميلها ذلك عن طريق التمسّك بإطلاقها ، وهذا الإشكال بعينه يرد على التمسّك بإطلاقات الرؤية والبيّنة المتقدّمة في الدليل الأوّل .
وهذا نظير ما ذكروه في بحث الردع عن الظنّ بالعمومات من أنّ الردع عن كلّ أفراده لا يقوى على الشمول لخبر الواحد ؛ إذ السيرة الموجودة في العمل بخبر الواحد متجذّرة ، فلا يكفي هذا الإطلاق في ردعها .
إن قلت : إنّ هذا الإشكال وارد على المشهور أيضا حيث يلزم لكلّ بلد مبدأ ورؤية ، ف « اليابان » مثلا لها ميقات ، وغيرها لها ميقات آخر كذلك ، وهلمّ جرّا ، وتعدّد دخول الشهر غريب على الأفهام العرفيّة . وهذا بخلافه على غير المشهور ؛ إذ أنّه إذا رئي الهلال في غرب نقطة متأخّرة الأفق فهو علامة وكاشف عن أنّ بداية الشهر في اليابان كان من بداية الليل أيضا .
والجواب : أنّه لا يلتزم أحد من القائلين بذلك ؛ لأنّ الشهر لم يتكوّن بعد ، أي في آن غروب النقطة المتقدّمة ك « اليابان » ، ولم يخرج القمر من تحت الشعاع ، فبداية الليل تكون من الشهر القديم لا محالة على قول غير المشهور ، فيلزم تبعّض الليل . وأمّا الغرابة المزبورة فتدفع بالالتفات إلى الطلوع والزوال والغروب لليوم الشمسي الذي هو متعدّد في البدء والانتهاء أيضا .
الأمر السادس : وهو عدل ومتمّم للإشكال الأوّل المتقدّم ،
وهو أنّ هذه الروايات متعرّضة بصراحة إلى اتّحاد عدد أيّام الشهور في الآفاق المختلفة ، ولنكتة أخرى مرّ تفصيل الكلام فيها ، وهي التثبّت والتشدّد في مسألة تثبيت الهلال ، والشاهد على هذا وجود مجموعة من الروايات مرّ ذكرها ، فليست هذه الروايات في صدد بيان إطلاق الآفاق ، ومعه لا يمكن