وبمعنى آخر ملازم لكلّ أفراد الدليل . أمّا إذا لم يكن لازم لأصل المدلول المطابقي بل لبعض أفراده فهو ليس بحجّة ؛ لأنّه لا يعلم كون المتكلّم في صدد بيان ذلك النمط من المدلول الالتزامي .
وما نحن فيه كذلك ، فالإطلاق يشمل البلاد المتّحدة في الأفق والمتقدّمة والمتأخّرة ، والمتقدّمة في الأفق والمتّحدة ليست موضعا ومحلّا للخلاف ، وإنّما الخلاف في البلاد المتأخّرة أفقا ، فهو مدلول التزامي لخصوص الفرد الثالث فليس بحجّة لنفس النكتة حينئذ .
التأمّل الخامس : وجود روايات مقيّدة للإطلاق المزبور بالرؤية ببلد الرائي ،
أو المتّحد معه في الأفق القريب ، وهي - مضافا إلى كونها دليلا مستقلّا للمشهور في المقام - صالحة لرفع اليد عن الدليل الأوّل لغير المشهور .
فمع التسليم بتماميّة التمسّك بإطلاق روايات الرؤية في ثبوتها لكلّ الآفاق المشتركة ليلا مع بلد الرؤية ، وهي معارضة بمقيّدات تمنع من التمسّك بها . وإليك بعض الروايات :
الرواية الأولى : معتبرة أبي أيّوب الخرّاز عن أبي عبد الله عليه السّلام قال :
قلت له : كم يجزئ في رؤية الهلال ؟ فقال : « إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله ، فلا تؤدّوا بالتظنّي ، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد : قد رأيته ، ويقول الآخرون :
لم نره ، إذا رآه واحد رآه مائة ، وإذا رآه مائة رآه ألف ، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين ، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر » « 1 » .
وهي دالّة على أنّ البيّنة إذا كانت من خارج مصر لا تقبل إلّا إذا كانت في البلد علّة ، وهذا لا ينسجم إلّا مع لزوم وحدة الأفق ، إذ لو كانت حجيّة البيّنة والرؤية مطلقة ولا يشترط وحدة الأفق ، فلما ذا لا يعتدّ بها مع عدم المانع وعدم العلّة في البلد ما دام الأفق مختلفا والرؤية فيه كافية ولو لم ير في بلد المكلّف . فهذه الصحيحة تقيّد إطلاقات أدلّة البيّنة والرؤية ، ولو كانت روايات الرؤية والبيّنة مطلقة ، لكانت حجّة مطلقا مع العلّة وعدمها .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 160 ، ح 451 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 289 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 11 ، ح 10 .