ولا غرابة في ذلك ، أمّا النحو الثاني فبعيد .
فالترديد بين رؤية البلد أو غيره المختلف في الأفق ليس في صدق الطبيعي على المصداق ، مع أنّه في ذلك الزمان كانوا ملتفتين إلى أنّ الرؤية كما تحدث لهم تحدث لغيرهم .
فليس حال المصداق أنّه لم يكن يلتفت إليه أو حدث بعد عدّة قرون حتّى يقال : إنّه لا غرابة في ذلك ، بل المصداق كان في السابق موجودا وملتفتا إليه ، لكن دائرة الدليل منصرفة عنه ؛ إذ كانوا يرون أنّ قولهم عليهم السّلام : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » أو ما شابهه ليس من قبيل صرف الوجود ، بل هو عموم استغراقيّ استقلاليّ ، أي رؤية كلّ بلد بلد ، مع التفاتهم إلى أنّ الصين والمغرب كلّا منهما له رؤية وإهلال مستقلّ ، فهم ملتفتون إلى المصداق لكن المدلول كانوا يضيّقونه .
فما نحن فيه المدلول والموضوع ضيق ، لا أنّه من الغفلة عن المصداق ، ثمّ بعد ذلك يلتفت إليه ، وفرق بين الأمرين .
فهل يعقل تقيّد الرؤية عند المخاطبين ببلد الرؤية ، ثمّ بعد أكثر من عشرة قرون يفهم منها أنّها عامّة ومطلقة ؟ لا شكّ أنّ هذا انصراف وتقيّد في فهم الخطاب عرفا .
والمسألة كانت مطروحة في عصر التشريع ، وقد مرّ في مستهلّ البحث ذكر أقوال العامّة وذكر إحدى الروايات العامّيّة الصريحة في أنّ هذه المسألة كانت موضع ابتلاء وسؤال .
التأمّل الثالث : إنّ الدليل الذي يتعرّض للحكم الظاهري
لا يمكن أن يستكشف منه حيثيّات وخصوصيّات الحكم الواقعي ، كما وأنّ الدليل المتكفّل للحكومة الظاهريّة - أي التوسعة في الموضوع إحرازا وإثباتا - لا يتكفّل الحكومة الواقعيّة ، أي التوسعة في الموضوع واقعا وثبوتا .
فالعموم والإطلاق إذا تكفّل حكما واقعيّا ، لا يمكن أن يتكفّل حكما ظاهريّا ؛ لأنّ موضوع الحكم الواقعي هو وجوده الواقعي التكويني ، بينما الحكم الظاهري هو الموضوع بقيد الشكّ ، فبينهما طوليّة .
ولذلك اعترض على الآخوند قدّس سرّه في قوله عليه السّلام : « كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه » « 1 »
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 313 ، باب النوادر ، ح 39 - 40 ، مع تفاوت .