وبعبارة أخرى : في الأعصار السابقة حيث كانت وسائل النقل بدائيّة والسفر شاقّ جدّا ، فإذا ثبتت الرؤية في بلد ، كيف يمكن لأهالي بلد آخر يبتعد عن بلد الرؤية بمسافة ألف كيلومتر مثلا أن يستعملوا ذلك ؟ فقوله عليه السّلام : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » ظاهر في الأفق القريب القابل للنقل والشياع ، أمّا الأفق البعيد فلا يمكن اطّلاع المخاطبين بها .
إن قلت : الثمرة تظهر في قضاء الصيام بعد استعلام رؤية الهلال في بلد آخر .
قلت : إنّ قولهم عليهم السّلام : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » متكفّل لبيان الجهة والوظيفة الأدائيّة ، وأجنبيّ عن الوظيفة القضائيّة للمكلّف ، فهو بلحاظ الوظيفة الأدائيّة ، وليس متعرّضا أصلا للوظيفة القضائيّة ، فكيف لا يلتفت إليه طيلة عدّة قرون مع أنّه مورد للابتلاء . وخلال هذا التاريخ الطويل تقع الرؤية دائما في مكان دون آخر ، فلو كان الأمر كذلك ، لنبّه عليه الشارع ، وإلّا أوقعهم في عهدة القضاء دائما وأبدا .
نعم ، لا ننكر أنّ الموضوعات الشرعيّة بنحو القضايا الحقيقيّة ، ولا ربط لها بالتحقّق الخارجي ، إلّا أنّ القضايا الحقيقيّة إنّما تقتنص من الأدلّة حتّى يجري فيها الإطلاق .
وهل يمكن أن يبقى مفاد الدليل لمدّة أكثر من عشرة قرون لم يلتفت إليه المخاطبون ، ثمّ بعد ذلك يستكشف أنّ مفاد الخطاب أوسع ، ويفهم منه غير ما فهمه المخاطبون ، ويبقى أولئك بلا تنويه وتنبيه صريح ؟ هذا بلا ريب مدعاة للانصراف ، وأنّ محلّ الرؤية في المقام هي الرؤية القريبة المتّحدة في الأفق لا البعيدة المختلفة في الأفق .
صحيح أنّ المعنى تارة لا يتفطّن المخاطبون لانطباقه على مصداق معيّن ، وهذا لا غرابة فيه ، فلسنا من القائلين بتحجير الأحكام الشرعيّة وسجنها وتضيّقها بحسب زمان دون آخر ، بل هي كالشمس في الدوران والانطباق على المصاديق ذات الوجودات المختلفة المتجدّدة العصريّة والمستقبليّة كالماضية ، إلّا أنّ المقام ليس في الانطباق والصدق ، بل في نفس سعة وضيق وتعيّن المدلول بنحو يوجب اختلاف ماهيّة الموضوع وذات المعنى والذي لم يتنبّه له إلّا بعد أكثر من عشرة قرون ؛ إذ فرق بين عدم الالتفات إلى وجود مصداق أو مصاديق لطبيعة معيّنة طيلة عدّة قرون ، وبين ماهيّة معيّنة تتغيّر سعتها وطبيعتها في نفس مرحلة المدلول ، بأن يكون لها جنس وفصل ، ثمّ بعد ذلك يوجد لها فصل وقيد آخر .
والأوّل لا مانع منه ؛ إذ أنّ المخاطبين فهموا الماهيّة ولكن لم يلتفتوا إلى مصاديقها أجمع ،
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 1336
مساهمون: رضا مختاري
ص١٣٣٦