فالبحث حينئذ هو عند مبدأ الحساب القمري هل هو من بلد الرؤية وبداية الليل كما هو رأي المشهور ، أم يثبت الهلال لكلّ النصف المظلم كما هو مختار غير المشهور ؟
والتدبّر في ذلك يجرّ إلى التدقيق في كيفيّة ضبط الحساب الشمسي والحساب القمري .
ضبط وبرمجة الحسابين
الشمس والقمر - كما تقدّم مرارا - جرمان نيّران إمّا بالذات كالشمس ، وإمّا بالعرض كالقمر ، وسقوط نورهما على نقاط الأرض المختلفة توجب النسبيّة والاعتبار في الحساب .
وبما أنّ للأرض حركتين : وضعيّة وانتقاليّة ، فلدينا زمانان : زمان للحركة الانتقاليّة ، وزمان للحركة الوضعيّة ، وذلك لأنّ لكلّ حركة زمانا كما هو محقّق في علمي الفلسفة والرياضيّات .
فمدار الحساب الشمسي على الحركة الانتقاليّة للأرض ، ومدار الشهر القمري على الحركة الانتقاليّة للقمر ، وهاتان الحركتان متغايرتان عن الحركة الوضعيّة للأرض ، فما هو تأثير الحركة الوضعيّة للأرض على الحساب الشمسي والقمري ؟
والإجابة أنّ الحركة الوضعيّة للأرض تضبط وتبرمج الزمنين : الزمن الشمسي الحاصل بحركة الأرض الانتقاليّة ، والزمن القمري الحاصل بحركة القمر الانتقاليّة ، فانتقال الأرض بمقدار 30 درجة في مدارها حول الشمس يتزامن مع حركة وضعيّة للأرض حول نفسها بمقدار 30 دورة ، فهذا التزامن مع الحركة الوضعيّة هو الذي يضبط ويبرمج ويقسّم الحركة الانتقاليّة للأرض .
فالحركة الوضعيّة ليست هي حسابا للزمن الشمسي ، وإنّما هي تقسيم وتقدير وضبط للحساب الشمسي ؛ إذ لو فرض أنّه ليس للأرض حركة وضعيّة ، وأنّ نصف الأرض مضيء نصف السنة والآخر مظلم كذلك ، فمع هذا تحصل السنة ، كما هو الحال في القطب الشمالي والجنوبي ؛ إذ الليل يكون بمقدار ستّة أشهر وكذلك حال النهار ، ومع ذلك في هذين القطبين تحصل للقاطنين فيهما السنة الشمسيّة باعتبار أنّهم بإمكانهم أن يميّزوا الشتاء والربيع وبقيّة فصول السنة .
فالسنة الشمسيّة هي بطيّ الأرض مدارها حول الشمس ، والحركة الوضعيّة للأرض تضبط هذه الحركة بتوسّط الموازاة والمزامنة والمطابقة والمقابلة ، لذا يبدأ اليوم الشمسي الجديد