القضاء بشهادة أهل بلد آخر :
إنّما قال عليه السّلام : « فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه » ؛ لأنّه إذا رآه واحد في البلد رآه ألف كما مرّ . والظاهر أنّه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة منه ؛ لأنّ بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية ، ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس ، ولإطلاق اللفظ ، فما اشتهر بين متأخّري أصحابنا - من الفرق ، ثمّ اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد - لا وجه له . « 1 »
وسيوافيك أنّ المناط هو جواز الرؤية .
وقال المحدّث البحراني ( م 1186 ) :
قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّ حكم البلاد المتقاربة كبغداد والكوفة واحد ، فإذا رئي الهلال في أحدهما وجب الصوم على ساكنيهما ، أمّا لو كانت متباعدة كبغداد وخراسان والعراق والحجاز ، فإنّ لكلّ بلد حكم نفسها . وهذا الفرق عندهم مبنيّ على كرويّة الأرض ، وأمّا مع القول بعدمها فالتساوي هو الحقّ . « 2 »
الظاهر تصحيح النزاع على القول بكرويّتها ، وإن كان على القول بكونها مسطّحة غير صحيح ، كما سيوافيك .
وقد تبعهما النراقي في المستند وقال :
الحقّ كفاية الرؤية في أحد البلدين للبلد الآخر مطلقا ، سواء كان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيرا ؛ لأنّ اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرين لا يحصل العلم بهما البتّة « 3 » .
وقال في الجواهر ( م 1266 ) :
إن علم طلوعه في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها ؛ للتباعد عنه لكرويّة الأرض لم تساو أحكامهما .
ويمكن أن لا يكون كذلك ، ضرورة عدم اتّفاق العلم بذلك عادة ، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقا قويّ . « 4 »
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 11 ، ص 120 .
( 2 ) . الحدائق الناضرة ، ج 13 ، ص 263 .
( 3 ) . مستند الشيعة ، ج 10 ، ص 424 .
( 4 ) . جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 361 .