علم الفلك وعلى المراصد ، فإنّ هذا العلم مهما تقدّم وتكامل فلن يكون بديلا عن الوسائل الإلهيّة التي أراد الله لعباده أن يصلوا من خلالها إلى أداء تكاليفهم الشرعيّة .
ومن البديهي لكلّ عاقل أن لا يزيل اليقين بالظنّ ، فالرؤية هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى اليقين بينما نجد أنّ العلم لم يصل إلى تلك المرحلة من اليقين ، بل في كلّ يوم نجد أخطاء ونظريّات وضعية تتغيّر وتتبدّل ، وهذا الأمر سوف يستمرّ هكذا . وربما لن يستطيع علماء الفلك أنفسهم يوما ما أن يقولوا : إنّ نظريّاتهم تفيد اليقين القطعي على الإطلاق ، بل نبقى نسمع عن مركبات فضائية اختفت هنا وهناك ، وعن تناثر للنجوم خالف توقّعات الفلكيّين - كما حصل في عام 1998 - مع أنّها ظاهرة فلكيّة ثابتة تتكرّر باستمرار كلّ ثلاثين سنة ، فإذا كانوا لا يخطئون فلما ذا كلّ هذه التناقضات عندهم يا ترى ؟ ! وإذا كانوا عاجزين عن رصد الأحوال الجويّة بشكل دقيق فهل يستطيعون ما هو أعظم بكثير ؟
وناهيك عن الناحية الشرعيّة لمسألة الرؤية ، فإنّ الحكم الشرعي لا يترتّب على واقع الولادة للهلال ، وإنّما هو مترتّب على الهلال المتولّد الذي أصبح قابلا للرؤية ، يقول الله تعالى :
و
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » . والذي يسألون عنه هو الهلال نفسه ، أي ما يهلّ عليك وتقابله بوجهك ؛ ولذلك سمّي هلالا ، والميقات : هو التولّد الواقعي بحيث يصبح الهلال مرئيّا .
فهو من قبيل الأحكام التي تتعلّق بالإنسان الذي بلغ من العمر تسع سنوات أو خمس عشرة سنة ، فلو نقص عنها يوما واحدا لم تتعلّق به تلك الأحكام ، كوجوب الصلاة ونحوه ، وليس من قبيل الأحكام المتعلّقة بالإنسان مطلقا ، كحرمة قتله حتّى لو كان عمره ساعة واحدة .
وإذا كانت الرؤية مأخوذة على نحو الطريقية ، فهي طريق لأيّ هلال ؟ هل للهلال المتولّد فلكيّا ؟ أم للهلال القابل للرؤية ؟
فلو كان تحقّق الشهر بنفس خروج القمر من تحت الشعاع ، أو كونه فوق الأفق بلا مدخليّة للرؤية ، لكانت الأحكام الواردة على دخول الشهر أيضا تابعة لخروجه من تحت
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .