لحديث ابن عبّاس الثابت أنّه قال عليه الصلاة والسلام : « فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين » . وذلك مجمل وهذا مفسّر ، فوجب أن يحمل المجمل على المفسّر ، وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليّين ، فإنّهم ليس عندهم بين المجمل والمفسّر تعارض أصلا ، فمذهب الجمهور في هذا لائح ، والله أعلم . « 1 »
وقال :
وإذا قلنا : إنّ الرؤية تثبت بالخبر في حقّ من لم يره ، فهل يتعدّى ذلك من بلد إلى بلد ؟
أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر ، أم لكلّ بلد رؤية ؟ فيه خلاف ، فأمّا مالك فإنّ ابن القاسم والمصريّين رووا عنه أنّه إذا ثبت عند أهل بلد أنّ أهل بلد آخر رأوا الهلال أنّ عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه وصامه غيرهم ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وروى المدنيّون عن مالك أنّ الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية ، إلّا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك ؛ وبه قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب مالك ، وأجمعوا أنّه لا يراعى ذلك في البلدان النائية ، كالأندلس والحجاز . والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر . أمّا النظر فهو أنّ البلاد إذا لم تختلف مطالعها كلّ الاختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض ؛ لأنّها في قياس الأفق الواحد ، وأمّا إذا اختلفت اختلافا كثيرا ، فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض . وأمّا الأثر فما رواه مسلم عن كريب أنّ أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام . . . فظاهر هذا الأثر يقتضي أنّ لكلّ بلد رؤيته ، قرب أو بعد ، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة وبخاصّة ما كان نأيه في الطول والعرض كثيرا . « 2 »
وقال محمد بن أحمد بن قدامة ( م 682 ه ) - وهو إمام في فقه أحمد بن حنبل - في الشرح الكبير :
وإذا رأى الهلال أهل بلد ، لزم جميع البلاد الصوم ، وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي . وقال بعضهم : إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة ، لزم أهلهما الصوم برؤية الهلال في إحداهما ، وإن كان بينهما بعد كالعراق والحجاز والشام ، فلكلّ أهل بلد رؤيتهم . وروي عن عكرمة أنّه قال : لكلّ أهل بلد
هامش
( 1 ) . بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 283 - 284 .
( 2 ) . بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 288 .