وقال كذلك :
اختلاف المطالع : ذهب الجمهور إلى أنّه لا عبرة باختلاف المطالع . فمتى رأى الهلال أهل بلد ، وجب الصوم على جميع البلاد ؛ لقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » وهو خطاب عامّ لجميع الأمّة ، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤية لهم جميعا . . .
والصحيح عند الأحناف والمختار عند الشافعيّة أنّه يعتبر لأهل كلّ بلد رؤيتهم ، ولا يلزمهم رؤية غيرهم . « 1 »
السير التاريخي للمسألة
هذه جملة ما وقفت عليه - بتوفيق الله وتسديده ، وله الشكر حتّى يرضى - من آراء العامّة والخاصّة ، ومرّ بنا آراء الفطاحل والأفذاذ ، وتعرّفنا كيف بدأ بهم السير في الاكتفاء بالرؤية في الصيام والإفطار من غير تفصيل ، ثمّ كيف ومتى أخذوا في تلك التفاصيل وجدّوا واجتهدوا حتّى صعد بهم النشاط العلمي إلى فروض دقيقة ، وهي فروض لا يساعدهم في تحقّقها وسائل ذلك الزمان ، كأنّهم صعدوا بها إلى زماننا الذي يحقّ أن يقال فيه ثمّ السبيل لتلك الفروض يسّره . ولكن هؤلاء الكرام الذين فرضوها استثقلوها كما استثقلناها ، فاحتاطوا فيها أوّلا ، ثمّ بدا لهم في تلكم الاجتهادات ، وأخيرا في بعض المباني الذي يؤدّي إليها ، وفي الأواخر رفضوها بتاتا كما في الحدائق والجواهر ومن يحذو حذوهما وما أولاهما بذلك ؛ فإنّ صيام أحد وثلاثين ، أو ثمانية وعشرين ، أو الإمساك بعد التعيّد ممّا تأباه أذهان المتشرّعة ، ولا نكاد نعثر في الروايات على إيماء إليها .
ثمّ قد وقفنا على آراء كثيرة حول رؤية الهلال ، فمن قائل : إنّ الرؤية تكفي خاصّة لأهل بلدة وما يساويها أو يقاربها من البلاد ، وقائل يقول : إنّ الرؤية في البلاد الشرقيّة تكفي للبلاد الغربيّة وإن بعدت ، وقائل آخر يقول : إنّه ما لم يعلم الاختلاف تكفي الرؤية لأيّة بلدة ، ومن معلن صريحا : أنّ الرؤية في موضع تكفي الناس جميعا ، بلا تعرّض لخصوصيّة من الخصوصيّات ، ومن قائل متعرّض لخصوصيّة : أن تكون الرؤية بحيث تكون البلاد الأخرى حينئذ في ظلّ الليل وفي ظلمته دون ما إذا رئي في موضع والناس في موضع آخر قد طلعت
هامش
( 1 ) . فقه السنّة ، ج 1 ، ص 385 - 386 .