وقال السرخسي ( م 483 ه ) في المبسوط - فيما يبحث فيه من صوم الشكّ :
إلّا أن يكون أبصر الهلال وحده وردّ الإمام شهادته . وإنّما تردّ شهادته إذا كانت السماء مصحية وهو من أهل المصر ، فأمّا إذا كانت السماء مغيّمة أو جاء من خارج المصر أو كان من موضع نشز فإنّه تقبل شهادته عندنا ، خلافا للشافعي في أحد قوليه .
ولنا : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما » « 1 » .
وقال ابن رشد ( م 595 ه ) في بداية المجتهد ونهاية المقتصد :
الجملة الثانية : في الأركان . والأركان ثلاثة : اثنان متّفق عليهما ، وهما الزمان والإمساك عن المفطرات ، والثالث مختلف فيه ، وهو النيّة ، فأمّا الركن الأوّل الذي هو الزمان . . . فإنّ العلماء أجمعوا على أنّ الشهر العربي يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين ، وعلى أنّ الاعتبار في تحديد شهر رمضان إنّما هو الرؤية ، لقوله ( عليه الصلاة والسلام ) : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » وعنى بالرؤية أوّل ظهور القمر بعد السؤال ، واختلفوا في الحكم إذا غمّ الشهر ولم تمكن الرؤية ، وفي وقت الرؤية المعتبر ، فأمّا اختلافهم إذا غمّ الهلال ، فإنّ الجمهور يرون أنّ الحكم في ذلك أن تكمل العدّة ثلاثين ، فإن كان الذي غمّ هلال أوّل الشهر ، عدّ الشهر الذي قبله ثلاثين يوما ، وكان أوّل رمضان الحادي والثلاثين ، وإن كان الذي غمّ هلال آخر الشهر ، صام الناس ثلاثين يوما . وذهب ابن عمر إلى أنّه إن كان المغمى عليه هلال أوّل الشهر صيم اليوم الثاني ، وهو الذي يعرف بيوم الشكّ .
وروي عن بعض السلف أنّه إذا أغمي الهلال ، رجع إلى الحساب بمسير القمر والشمس ، وهو مذهب مطرف بن الشخّير ، وهو من كبار التابعين ، وحكى ابن سريج عن الشافعي أنّه قال : من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثمّ تبيّن له من جهة الاستدلال أنّ الهلال مرئيّ وقد غمّ ، فإنّ له أن يعقد الصوم ويجزئه .
وسبب اختلافهم الإجمال الذي في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له » فذهب الجمهور إلى أنّ تأويله أكملوا العدّة ثلاثين ، ومنهم من رأى أنّ معنى التقدير له هو عدّه بالحساب . ومنهم من رأى أنّ معنى ذلك أن يصبح المرء صائما ، وهو مذهب ابن عمر كما ذكرنا ، وفيه بعد في اللفظ . وإنّما صار الجمهور إلى هذا التأويل
هامش
( 1 ) . المبسوط ، ج 3 ، ص 64 .