وقد كتب الشيخ زين الدين :
يعتبر في حجّية البيّنة أن يشهد الرجلان برؤية الهلال بالحسّ ، فلا يقبل قولهما إذا شهدا بأنّ الليلة هي ليلة الهلال شهادة حدسيّة تعتمد على بعض القواعد النظريّة ، وإن كانا قاطعين بصحّة ما يقولان ، ولا تقبل شهادتهما إذا شهد أحدهما برؤية الهلال حسّا ، وشهد الثاني شهادة تعتمد على الحدس « 1 » .
ويردّ هذا الوجه أنّ نتائج ومعطيات علم الفلك - وتحديدا علماء الفلك المحدثين منهم - لا تستند إلى القواعد النظريّة وحسب ممّا يندرج تحت عنوان الحدس ، بل هي مزيج من القواعد النظريّة والعمل التطبيقي ، فإنّهم يعمدون إلى اختبار قواعدهم النظريّة تطبيقيا بحيث لا يعتبرونها قواعد علميّة ما لم تثبت صحّتها تطبيقيا ، وقد وصلت نظرياتهم في مسألة الهلال من حيث تحديد ولادته أو إمكان رؤيته إلى مرتبة البديهيّات فيما يتّصل بمسألتنا .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ أقوال الفلكيّين بشأن تحديد ولادة الهلال ورؤيته تستند إلى عمليّات حسّيّة ، وذلك عن طريق الرصد بأجهزة رصديّة خاصّة ، وقد تطوّرت بشكل كبير جدّا مع توفّر المراصد الأرضية والأقمار الصناعية التي تسبح في الفضاء ، خاصّة مع تطوّر الحاسوب وعمليّاته الدقيقة ، وبذلك تخرج شهاداتهم من عالم الحدس إلى عالم الحسّ ، أو ممّا يقرب منه على أقلّ تقدير .
وبكلمة أخرى : فإنّه يمكن أن يقال : إنّ القدر المتيقّن من اشتراط الحسّية في الشهادة ممّا ينفي قبول ما كان من الحدس المحض لا مطلقا ، ولذلك قبلت الشهادات المتعلّقة في العدالة أو الوثاقة .
ولهذه الجهة أفتى السيّد محمّد الصدر بجواز قبول شهادة الفلكيّين إذا توفّرت شرائطها من حيث العدد - اثنان على الأقلّ - والعدالة والوثاقة ، وكان إخبارهم مبنيّا على المراصد لا على الحساب « 2 » ، ما لم يحصل العلم بقولهم ، فيكون حجّة بلا إشكال .
وقد ذكر الشيخ الأنصاري في المكاسب أنّ أقوال المنجّمين وإن كانت مبنيّة على قواعد نظريّة لكن في الأمور البديهية منها ممّا يمكن التعويل عليه ، وعليه فلو احتيج إلى شهادة
هامش
( 1 ) . كلمة التقوى ، ج 2 ، ص 73 - 74 .
( 2 ) . ما وراء الفقه ، ج 2 ، ص 162 .