خلال تساؤل السائل نفسه - إلى الشكّ في قول الحسّاب مع افتراض خلوّ السماء من العلّة المانعة من الرؤية ، وإن كانت الرواية بصدد نفي حجّيّة قول ورأي الحسّاب ، فإنّها صادرة على نحو القضيّة الخارجيّة فلا يصحّ تعميمها على الفلكيّين مطلقا بوجه من الوجوه .
على أنّ هذه الحسابات التي كانت سائدة - يوم ذاك - لم تكن معمولة لرؤية الأهلّة لتثبت بها الرؤية ، كما أشار إليه أحد أبرز الفلكيّين المسلمين وهو البيروني « 1 » ، مضافا إلى أنّ معطيات علم الفلك - يوم ذاك - لم يكن قادرا على تحديد الرؤية بما هو عليه علم الفلك اليوم وفقا للحسابات الدقيقة مضافا إلى التقنيّات الحديثة من مركبات فضائية وأقمار صناعيّة ومراصد أرضيّة ، تعمل وفقا لأدقّ الحواسيب الإلكترونيّة .
وقد ألّف الحكيم والفيلسوف أبو يوسف الكندي ( م 252 ه ) رسالة في أنّ رؤية الهلال لا تضبط بالحقيقة ، وإنّما القول فيها بالتقريب « 2 » .
وعليه ، فالرواية المشار إليها آنفا ليست دالّة على المنع من التعويل على رأي الفلكيّين المعاصرين المحدثين على أقلّ تقدير .
هذا ، ولم أجد من الفقهاء المعاصرين - فضلا عن القدماء - من درس هذه الرواية وحدّد دلالتها ، كما درسها السيد محمّد الصدر ، فراجع « 3 » .
وقد روي من طرق العامّة - كما في كتاب الصوم من صحيح البخاري - عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « إنّا أمّة أميّة ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا » وهو لا يدلّ - كما لا يخفى - على النهي عن اتّباع علم الفلك ؛ لأنّه إن دلّ على ذلك فهو وارد على نحو القضيّة الخارجية ، مع أنّه تقرير لحال الأمّة يوم ذاك بقرينة قوله : « لا نكتب » .
الأمر الثالث : وهو في حقيقة علم الفلك وعلاقته بالتنجيم ، ومدى دقّة معطياته العلميّة .
وقد تبيّن ممّا سبق أنّ لا دليل على ما ادّعي من التماهي بين علم الفلك والتنجيم ، وأنّهما فنّ واحد ، بل اتّضح أنّ المأخوذ في الروايات وفي ألسنة الفقهاء لا علاقة له بعلم الفلك ، خاصّة بشكله الحديث وما وصل إليه من تطوّر كبير .
هامش
( 1 ) . الآثار الباقية عن القرون الخالية ( لأبي ريحان البيروني ) ، ص 95 .
( 2 ) . تاريخ الفكر العربي ( لفرّوخ ) ، ص 306 .
( 3 ) . ما وراء الفقه ( للصدر ) ، ج 2 ، ص 162 - 163 .