وعودا على بدء ، يمكن القول إنّ الروايات خالية من الإشارة إلى المنجّم بما هو عالم فلك ، إلّا ما ورد بعنوان الحاسب ، ولذلك فينبغي الوقوف على ما ورد من الروايات بشأنه ، لمعرفة ما إذا كانت تنهى عن الأخذ بقوله .
وقد روى محمّد بن عيسى قال :
كتب إليه أبو عمر : أخبرني أنّه ربما أشكل علينا هلال رمضان ولا نراه ، ونرى السماء ليست فيها علّة ، ويفطر الناس ونفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس . هل يجوز - يا مولاي - ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا ، وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقّع : « لا تصومنّ الشكّ ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » « 1 » .
والظاهر أنّ الرواية معتبرة من حيث السند وإن طعن فيها بعض المعاصرين « 2 » إنّما البحث في دلالتها ، وهل هي صريحة الدلالة - كما يدّعى - في النهي عن الأخذ بأقوال وآراء الفلكيّين وخاصّة المعاصرين - أو لا تدلّ على ذلك ؟
والصحيح أنّ الرواية ليست صريحة الدلالة في النهي عن الأخذ بقول ورأي الفلكي ، على الأقلّ لجهة عدم وضوح المراد من المصطلح « الحسّاب » الوارد في الرواية ؛ إذ ربما يراد المنجّم الاصطلاحي الذي مرّت الإشارة إليه ، وقد كان يمارس الوظيفتين معا ، ولا أقلّ من الإجمال .
ولو أريد من الحسّاب في الرواية الفلكيّين فهي لا تنهى عن قبول قول ورأي الفلكيّين المعاصرين ؛ للفرق بين ما وصل إليه علم الفلك الحديث وما كان عليه علم الفلك القديم ، خاصّة مع اللجوء إلى المناظير ، والتي تطوّرت تطوّرا كبيرا بفضل التقنيّات الحديثة ، وخروج الإنسان إلى الفضاء ، واستعمال المركبات الفضائيّة والأقمار الفضائية الكثيرة التي تسبح في الفضاء .
على أنّ جواب الإمام عليه السّلام لم يتعرّض لحجّية قول الحسّاب أو عدم حجّيّته بشكل مباشر ، وإنّما أجابه بجواب كلّي ، ضابطه أنّ الصوم لليقين لا للشكّ . وربما في الرواية إشارة - من
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 297 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 15 ، ح 1 .
( 2 ) . عمدة الطالب في التعليق على المكاسب ( للقمي ) ، ج 1 ، ص 185 .