وعليه ، فلا بدّ من ملاحظة النسبة بين المستضيء والنيّر ، فإنّ الجرم القمري قد يكون مقارنا بحيث يسفر عن وجهه تماما أمام الشمس فينعكس بدرا لأهل الأرض . وقد يتوسّط بين الأرض والشمس فيكون وجهه المضيء مقابلا لها ، ويواجه الأرض بوجه مظلم ، وهو ما يعبّر عنه بالمحاقّ حيث يكون تحت الشعاع . ويستغرق من أوّل دخوله إلى خروجه يومين إلّا قليلا تقريبا .
وبعد ملاحظة كرويّة الأرض وحركتها وكذا حركة القمر لا بدّ من الحكم باختلاف زاوية الرؤية ، وهذا يعني أنّ الهلال قد يرى في منطقة دون أخرى وفي قطر دون آخر ، إلّا إذا كانت الرؤية في البلد المتقدّم كما أشرنا . وهذا هو الذي حقّقته العلوم الهيويّة وأثبتته الأرصاد الجويّة الحديثة .
الدليل النقلي : سبق أن أشرنا إلى أنّ المشهور هو اشتراط الوحدة في الأفق . ويظهر من متابعة استدلالهم أنّ أكثر اعتمادهم على أمرين :
أ ) ما يتبادر من روايات الرؤية ، فإنّها بين مقيّدة بخصوص رؤية المكلّفين ، وبين مطلقة ترجع إليها وتحمل عليها .
ب ) انصراف روايات البيّنة التي تشهد من خارج البلد إلى البلدان القريبة المتّحدة في الأفق فإنّه المرتكز في أذهان العرف المخاطب بالحكم الشرعي آنذاك . ولا نعني أنّهم لم يخطر ببالهم وجود بلدان بعيدة ، بل المدّعى أنّهم لا يعمّمون المتبادر من اللفظ بحيث يشملها ، وفرق بين تعيين المصداق والسكوت عنه وعدم الالتفات إليه .
ونظير هذا ما أفتى به الفقهاء من الانصراف عند إطلاق النقد في العقد إلى نقد البلد . وهو يرجع في واقعه إلى التقييد الاستعمالي الذي لا يخرج عن حريم اللفظ والظهور « 1 » ، وربّما يعبّر عنه بالمتبادر المتيقّن من المدلول ، وهذا لا ينافي ما قيل من أنّ العرف ليس من شأنه تعيين المصاديق وإنّما يرجع إليه في تحديد المفاهيم العرفية . وتحقيقه موكول إلى محلّه .
وأمّا أدلّة القائلين بعدم اشتراط اتّحاد الأفق فمجملها يرجع إلى التمسّك بإطلاق روايات
هامش
( 1 ) . يظهر من السيّد الأستاذ في المباحث الفقهية المناقشة في كبرى الانصراف . وقد كان هذا توجيها منّي للانصراف المدّعى في المقام على ما أفهمه . وهذه المسألة تحتاج إلى تحقيق معنى الفهم العرفي وكيفية خروج انصراف المعنى لغلبة الاستعمال منه ، والتفصيل بين قرينة الانصراف وسائر القرائن الحالية .