بقسميها الداخلية والخارجية تؤكّد سعة الدائرة الأولى للرؤية وتلغي الخصوصية الشخصية .
وعلى هذا ، فإذا قامت بيّنة من خارج البلد على الرؤية - ولو كانت من باب الشهادة على الشهادة كما استظهر من بعض الأخبار - فلا شكّ في لزوم ترتيب الأثر الشرعي . ومن هنا لم يناقش أحد من الفقهاء في كفاية الرؤية في بلد آخر في الجملة ، وإنّما وقع البحث منهم في تضييق دائرة الثبوت لبلد الرؤية وما قاربها من البلاد كما عليه جماعة من الفقهاء « 1 » ، أو توسعتها بحيث تشمل البلدان القريبة لبلد الرؤية في الأفق ، كما عليه جماعة منهم السيد في العروة ، أو تعميمها لغير المساوي في الأفق أيضا فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزما قطعا للثبوت هنا بحيث تكون الرؤية في ذلك البلد متفرّعة على الرؤية في بلده ، كما في البلاد الشرقية فإنّه يثبت بها الهلال للبلاد الغربية ؛ لأنّ القمر لا يرجع ولا يتوقّف ، دون العكس . وهو مختار بعض المحقّقين « 2 » . ومنهم من أطلق التوسعة للبلاد قاطبة ، فإذا رئي الهلال في بلد كفى لسائر بلدان العالم . وقد اختاره غير واحد ؛ نظرا إلى إطلاق بعض الروايات .
والمشهور بين الفقهاء من الخاصّة والعامّة اعتبار اتّحاد الأفق ، وقد ردّ عبد الله بن عباس في حديث كريب رؤية الهلال ليلة الجمعة في الشام وقال :
فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثين أو نراه ، فقال له كريب : ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله « 3 » .
وقد أنكر اعتبار الاتّحاد جمع من المحقّقين وذهبوا إلى كفاية رؤيته في بلد لجميع
هامش
( 1 ) . لاحظ جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 360 .
( 2 ) . كما احتمله الشهيد في الدروس ، ج 1 ، ص 285 ، قال بعد اختيار العدم في البلدان البعيدة : « ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد المشرقية وإن تباعد ؛ للقطع بالرؤية عند عدم المانع » وعن المنتهى اختياره في أوّل كلامه ، كما عن الجواهر .
( 3 ) . أخرجه الشوكاني في نيل الأوطار ، ج 4 ، ص 217 وقال : « رواه جماعة إلّا البخاري وابن ماجة ، وقال : وقد تمسّك بحديث كريب هذا من قال : إنّه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها ، وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب . . . ، ثمّ قال :
لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلّا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلّهم ؛ لأنّ البلاد في حقّه كالبلد الواحد ، إذ حكمه نافذ في الجميع ، قاله ابن الماجشون . . . » .
وذكره القرطبي في تفسيره ، ج 2 ، ص 295 ، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 278 : « عن القاسم والمصريّين عن مالك كفاية رؤية أهل بلد آخر . . . وروى المدنيّون عن مالك : أنّ الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية إلّا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك ، وبه قال ابن الماجشون والمغيرة . والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر . . أمّا الأثر فما رواه مسلم عن كريب . . . » إلى آخره .