بهذا المستوى من السهولة بحيث يمكن أن يصل العدد إلى هذا الحدّ ، أو أنّ الناس كانوا أكثر استهلالا وخبرة في القديم ، أو نقول بخروج هذا العدد مخرج التمثيل فيكون أشبه شيء بالعنوان المشير إلى كلّ ما يحصّل العلم واليقين .
ربما مالت النفس إلى ترجيح التفاوت بين الرؤية في القديم والحديث لعوامل : منها : قلّة الأنوار وخلوّ السماء من الأبخرة والغازات التي تحجب الرؤية في أغلب أوقات السنة ، والتلوّث المتصاعد من الصناعة والتقنية الحديثة . . . .
ولعلّ استقراء شيء من أوراق البيئة العربية ومتابعة العلاقة الحميمة بين البدوي والقناديل المعلّقة في سماء الصحراء ، واهتدائه بالنجم في رحلاته . . . ما يضيف شيئا من التقريب .
وقد يكون من الشواهد البيّنة ما أشارت إليه متون اللغة من تسمية الهلال بالشهر لشهرته ووضوحه . ولذا مال بعض العلماء إلى قبول ما ورد عنهم عليهم السّلام : « وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث » « 1 » بدعوى أنّ الهلال في السابق كان بإمكانه أن يعكس ظلّ الشاخص وهو ابن ثلاث ؛ لأنّه كلّما اشتدّ سواد الليل تبلور النور ولو كان ضعيفا خافتا .
ولكنّ الظاهر من الروايات أنّ الاختلاف في أمر الهلال لم يكن أقلّ ممّا هو عليه اليوم .
ومن هنا حمل جمع من الفقهاء هذه الأعداد التي ذكرتها الروايات على التمثيل ، وأنّ العمدة هو تحصيل اليقين بالرؤية ، وقد عدّوا من الطرق التواتر والشياع المفيد العلم ولو كان من النساء ، كما في مسالك الشهيد ، وغيره « 2 » .
الفائدة الثانية : حكم اختلاف الآفاق
ذكرنا أنّ روايات الرؤية على طوائف : منها : المطلقة بمعنى أنّها لا تختصّ برؤية المكلّف نفسه ، نحو « صم للرؤية وأفطر للرؤية » « 3 » فهي تعطي بإطلاقها الشرعية لرؤية الآخرين إن كان مفادها : صم لرؤيته ، لا : صم لرؤيتك إيّاه .
ومنها : الموجّهة للمكلّف خاصّة ، نظير « لا تصم إلا أن تراه » « 4 » . وجاءت روايات البيّنة
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 281 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 9 ، ح 2 .
( 2 ) . مسالك الأفهام ، ج 2 ، ص 51 ، 53 ؛ مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 175 .
( 3 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 257 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 19 .
( 4 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 254 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 9 .