فهو ممّا عرّفه الله في كتابه بالشهود من الصائم كحدّ للتنجّز ، حيث قال :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
، أو إكمال العدّة في قوله :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
، كما عرّفه رسوله وأهل بيته ( صلوات الله عليهم ) بقولهم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة . . . » .
ومحصّل ما مرّ أنّ الاستدلال بالسيرة على نفوذ حكم الحاكم غير تامّ كبرى وصغرى ، وأمّا هذه الروايات الثلاث فقد بيّنّا بعض جهات النظر فيها ، وبهذا يتّضح ضعف ما في الجواهر وغيره ، فتدبّر .
تذييل : تقريب لنفوذ حكم الحاكم
بقي في المقام توجيه آخر غير ما ورد في التقريبات السابقة يمكن أن يوجّه به نفوذ حكمه « 1 » ، فإنّ الإشكال إنّما نشأ من التقسيم الثلاثي للأمور في التوقيع الشريف . فإنّ المقصود من الحوادث لا يمكن أن يكون من الأمور البديهيّة كالأكل والشرب ونحوهما ، فلا تخلو إمّا أن تكون شبهات موضوعية أو حكمية أو الخصومات والمرافعات ، وليست مسألة الهلال منها .
ولكن نقول : إنّ لنا تقسيما آخر ؛ فإنّ أحكام الموضوعات قد تكون خاصّة بالمكلّف كطهارة بدنه ولباسه ، وقد تكون نسبيّة إضافية بين المكلّف وطرف آخر كحقّ الأبوين والزوجة والجارّ ، وربّما ألجأنا الاشتباه فيها إلى الدعاوي والخصومات ، فلا بدّ من مرجع يفصل بيننا وهو القاضي . وكلا هذين النحوين يعدّ من الأمور الفرديّة .
وهناك أمور أخرى كانت مطلوبيتها بنحو خاصّ ندب إليها الشارع لتكون عليها الصبغة الجماعية فدعى إلى الجمع والمقارنة فيها بين فعل المكلّف وفعل الآخرين ، مثل صلاة العيد والجمعة والجماعة والحجّ « 2 » وما أشبه ذلك ؛ تشييدا منه لبناء الأمّة الإسلامية وبثّ روح التآلف بين أبناء المسلمين .
فإذا اشتبه أمر من هذا القبيل أوجب الفرقة والتفكيك في أواصر المجتمع وخلخلة البنية
هامش
( 1 ) . هذا التوجيه مستخلص من كلمات بعض من تعرّض لهذه المسألة ، وقد عرضناه على السيّد الأستاذ فكان له فيه موارد من النظر والتأمّل أثبتناها بعد بيان التقريب ، كما ذكرنا تعاليقه ( دام ظلّه ) عليها في الحاشية .
( 2 ) . إنّما اختصّ الجعل المذكور بالصلاة فحسب ، والتمثيل بالحجّ والصيام وما أشبه محلّ كلام ، والدعوى المشار إليها شعارات وهتافات على الظنون والأهواء .