الأمور الحسّية المحضة فبالرجوع إلى الأصول العقلائية من أصالة عدم الغفلة والاشتباه ونحوهما ، وإن كان فيما لا يخلو من الحدس والنظر فلا يمكن إلّا بالاعتماد على أهل الخبرة في الأمور المهمّة التي لا يتساهل فيها العقلاء عادة ، فإنّهم يلغون احتمال الخطأ عند الوقوف على قول أهل الخبرة .
وأمّا سدّ باب احتمال الكذب والخيانة فيمكن بالاعتماد على خبر العدل الثقة . والذي يدّعي رؤية الهلال يرد في حقّه هذان الاحتمالان ؛ فإنّ المستهلّ إذا لم يكن من أهل الخبرة لم يتيسّر له عادة بدون تشخيص الجهة التي تحتمل رؤية الهلال فيها « 1 » . وربما غلب عليه تصوّر وخيال خاصّ ، فيرى ما ليس بهلال هلالا وإن كان رجلا ظاهره الصلاح والتقوى .
وأمّا احتمال الكذب فلا يدفعه إلّا ثبوت كون مدّعي الرؤية عادلا متورّعا ؛ فإنّ ما نحن فيه من مظانّ التهمة . فكم كان وما يزال رجال من العامّة - بل حتى من الخاصّة - يدّعون الرؤية والهلال لما يتولّد بعد .
ولكن مع ذلك لا يمكن الاعتماد على شهادة المخبر الواحد فيما نحن فيه حتّى ولو كان المخبر عادلا خبيرا ، وإن كان جريان السيرة العقلائية في أمور المعاش على ذلك . وعلى هذا الأساس كانت الأمارة الثانية تدور مدار البيّنة بقسميها الداخلية والخارجية وإن كان ثمّ شروط أخرى سيأتي البحث عنها .
فعلى هذا ، لا تكون شهادة المخبر الواحد بنفسها أمارة شرعيّة على رؤية الهلال ؛ فإنّ السيرة وغيرها من الأدلّة التي أقيمت على حجّية الخبر لا تتعدّى حدّ الاقتضاء ، أي أنّ مقتضى الحجّية متحقّق فيه ولكن في المقام موانع من تماميّة الحجّية :
موانع حجّية شهادة الشاهد الواحد : منها : أنّ إطلاق مفهوم الآية :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
ينفي وجوبه عمّن قام عنده خبر الواحد .
ومنها : إطلاق روايات : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » فإنّها تثبت وجوب الصوم للرؤية
هامش
( 1 ) . للخبرة دور لا ينكر في أمر الهلال لتحصيل العلم أو الاطمئنان ، لكن في جعلها قيدا تأمّل ؛ فإنّ اهتمام الروايات إنّما انصبّ على نفي الشكّ عن الرؤية وهذا أعمّ من كون مدّعي الرؤية خبيرا أو لا . وشاهده أنّه قد يكون الشاهدان عدلين من أهل الخبرة ، وتردّ دعواهما فيما إذا كان الجوّ صحوا ؛ لقوّة احتمال اشتباههما . وكذا لو شهد عدول على الرؤية يؤخذ بشهادتهم ولو لم يكونوا من أهل الخبرة .