بالضرورة تقييد هذا الإطلاق بما دلّ على أنّ رؤية الآخرين بمنزلة رؤية المكلّف على ما سيأتي البحث فيه .
ثمّ إنّ الكلام في مثل الأعمى هنا - حيث إنّ المتبادر من الآية على ما قرّرناه خصوص من يتمكّن من الشهود والرؤية ، والأعمى لا يمكنه الشهود - نظيره في مسألة القبلة ، فكما أنّه يحتاج إلى موجّه إليها فكذا هنا يعتمد على غيره ؛ لفقدانه قابليّة الإبصار ، ولا يسقط الحكم عنه قطعا فإنّه لا يصحّ في حقّه أن يقال : إنّه لم يشهد ، حتّى يدّعى أنّ مفهوم الآية ينفيه كما ينفي من يتمكّن من الإبصار ولكنّه لم ير الهلال .
وبعبارة أخرى : منطوق الآية المباركة « من شهد الشهر فليصم » ، وإطلاق مفهومها « من لم يشهد فلا يجب عليه الصوم » لو لم يقم دليل من خارج ، والمنطوق لم يتعرّض للأعمى ؛ لعدم قابليّته للشهود ، فلا يمكن أن يدخل في المفهوم ؛ لما قرّر في المباحث الأصوليّة من وجوب حفظ الموضوع فيهما وهو المتمكّن من الإبصار لا مطلق المكلّف ، كما هو واضح . فهو من قبيل الملكة والعدم ، فالمفهوم على هذا لا ينفي وجوب الصوم عن الأعمى ، وتبعيّته لغيره في مثل المقام معلومة بضرورة الفقه فلا حاجة للبحث فيما ينزل رؤية الآخرين منزلة رؤيته .
وأمّا أصل التعميم وتنزيل شهود الآخرين منزلة شهود المكلّف فهو حكم ثابت في الجملة ، ولكنّه مشروط بإمكان الاعتماد على قول المدّعى ؛ إذ أنّ الاعتماد على قوله يتوقّف بدلالة العقل وبحسب الروايات على عدم اتّهامه ؛ لأنّ في كلّ دعوى للرؤية احتمالين : الأوّل :
احتمال الخطأ . والثاني : احتمال الكذب .
ودفع هذين الاحتمالين لا بدّ وأن يكون بدليل وأصل معتبر ، وقد أكّدت الروايات الكثيرة على وجوب رفع الإشكال من الجهتين ، وأنّ ثبوت الشهر ليس بالرأي ولا التظنّي ، والذي يصوم أو يفطر اعتمادا على الرؤية مع احتمال خطئها أو كذب مدّعيها يعدّ ممّن عمل بالرأي والتظنّي المنهيّ عنه « 1 » .
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال : « إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا وليس بالرأي ولا بالتظنّي » ، الحديث « 2 » .
هامش
( 1 ) . سيأتي زيادة تحقيق في المقام ، فانتظر .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 252 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 2 .