في واقعها تكمّمات وتكيّفات وإضافات للجوهر وهو الأصل . ولكن لمّا جرت العادة على الأنس بالظواهر والاقتصار على الشكليّات أغفل الناس البحث عمّا وراءها فتوهّم تعدّد الحقائق ، وأصبح الأصل يقاس بالفرع .
ومسألتنا من أهمّ المسائل التي لم تعط حقّ العناية زهدا في قيمتها العلمية ، على أنّها من أخطر المسائل التي تؤثّر في تفسير القرآن الكريم ، والوقوف على أسرار حكمته ولطائفه .
إذا أدركت هذا فتدبّر في موارد « شهد » . وكرّر الشهادة بالتوحيد مرّة بمعنى الإقرار مجرّدا ، وأخرى بحيث تتعدّى حدّ الاعتراف اللفظي ، فربّما اكتشفت سرّ العظمة في هذه الكلمة .
وخلاصة القول : إنّ العلماء لم يحصل لهم الفراغ لتمييز الأصل من العوارض . والذي أثبتناه أنّ الاختلاف إنّما هو من جهة الدوالّ المصاحبة ، والذي أوقع العلماء في الاشتباه هو توهّم أنّ المصاحبات هي الأصل ، فجعلوا لكلّ استعمال معنى خاصّا في عرض المعاني الأخرى للاستعمالات في الموارد المختلفة « 1 » .
وعودا على بدء نقول : ظاهر الشهود هو الشهود الشخصي بالعين ، وأمّا العلم والاطّلاع من غير هذه الجهة فلا يسمّى شهودا ، وقد خصّ الاطّلاع على معرفة دخول شهر رمضان بالشهود .
تأييد الأصل القرآني بالروايات ويؤيّد هذا الأصل - الظاهر من الآية - أكثر الروايات التي حصرت الصيام بالرؤية .
وأكثر الأخبار تستفاد منها رؤية المكلّف نفسه ، ولهذا كان التجاوز في الحكم عن
هامش
( 1 ) . طالت يد العدوي حتّى المحقّقين من علماء النحو ، فلقد مشى على هذا المنوال ابن هشام صاحب المغني ، فأخذ يتسقط المعاني من كتب اللغة ويجمع كلّ ما ورثته المعاجم ، وربما تأوّل معاني أخرى أضافها ، وقد جارى في ذلك المدرسة الكوفية التي اعتمدت منهجة النقل حتّى ولو كان مولدا وإن كان يظهر منه الميل إلى المنهجية البصرية في بعض الموارد . وإنّ أوّل من وجدناه رعى هذا المطلب بشيء من الأهمّية هم بعض أهل التحقيق من المدرسية البصرية التي اعتمدت المنهج العقلي في التعامل مع المفردة اللغوية ، ثمّ شرحته كتب فقه اللغة مستفادا من الأصول القديمة كالخصائص لابن جنّي ومقاييس اللغة لابن فارس وغيرهما ممّن أثرى المكتبة اللغوية بالوقوف على دقائق المباحث في مسألة الاشتراك بقسمية والترادف . وأمّا ما تعرّض له الأصوليون في حقيقة الوضع وما يرتبط بها من مباحث لغوية فهو بنظري القاصر مختصر محلّ .