الأصل عدم اعتبار الظنّ ، إلّا فيما خرج بالدليل الخاصّ .
الأمر الرابع : أنّ مقتضى ما تقدّم في المقدّمة
- من إناطة جعل الحجّيّة بعدم العلم بالخلاف أو الوفاق - هو عدم حجّيّة البيّنة مع العلم العادي بخطائها ، كما إذا قامت البيّنة على رؤية الهلال بمحضر جمع كثير استهلّوا مع سلامة عيونهم ، ومعرفة جميعهم بموضع الهلال حتّى لا يطلبوه من غير موضعه وعدم علّة في السماء ، فمع هذه الخصوصيّات لا تكون البيّنة حجّة ؛ للعلم العادي بخطائها ، وإلى هذا يشير قوله عليه السّلام في صحيح الخرّاز ، المتقدّم : « وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد : قد رأيته » الحديث ، فإنّ قوله : « إذا رآه واحد رآه مائة » ليس إلّا مع اجتماع الخصوصيّات ؛ إذ بدونها لا تلازم بين رؤية واحد وبين رؤية مائة وألف ، فلاحظ وتدبّر .
وهذا غير القول بعدم حجّيّتها مع الصحو مطلقا ، ولعلّ أرباب هذا القول أرادوا هذه الصورة ، فإن كان كذلك ، فلا بأس به ؛ لكونه مطابقا لبناء العقلاء في حجّيّة الأمارات ، لكنّ التعبير عنه بعدم الحجّيّة مع الصحو مطلقا غير مناسب .
وعليه فإذا لم يستهلّ مع الصحو إلّا عدلان أو استهلّ غيرهما من أهل المصر ولكن كان في عيونهم ضعف ، أو لم يعرفوا موضع الهلال ، كما هو الغالب على ما شاهدناه ، فلا بأس بحجّيّة البيّنة تمسّكا بعموم دليل حجّيّتها وخصوص نصوص المقام ، الدالّة على اعتبارها مطلقا .
وبالجملة ، فعموم أدلّة اعتبار البيّنة محكّم إلى أن يقوم دليل على عدم اعتبارها .
[ الأمر ] الخامس : أنّ حجّيّة البيّنة في المقام كغيره من المقامات منوطة بعدم التعارض ؛
لامتناع التعبّد بالنقيضين ؛ ولذا يكون الأصل العقلائي تساقط الطرق المتعارضة ، فإذا شهدت إحدى البيّنتين بنجاسة شيء مثلا في وقت خاصّ ، وشهدت الأخرى بطهارته في ذلك الوقت بحيث لا ترجع إحداهما إلى عدم العلم ، بل شهدت كلتاهما بالعلم بالطهارة في ذلك الوقت بحيث لا ترجع إحداهما إلى عدم العلم ، بل شهدت كلتاهما بالعلم بالطهارة والنجاسة - ولعلّ نظر صحيحة الخرّاز « 1 » ونحوها إلى صورة التعارض ، إذ مرجع دعوى رؤية بعض من عدّة المستهلّين مع إنكار السائرين ، الراجع إلى دعوى عدم كون الهلال قابلا للرؤية إلى التعارض - فلا محالة تسقط البيّنتان عن الاعتبار ؛ لعدم شمول دليل الحجّيّة لهما ، وعدم كون المردّد فردا
هامش
( 1 ) . تقدّم تخريجها .