نفي اعتبار رؤية الرجل والرجلين هو نفس الذات دون الوصف من العدالة وغيرها ، ومن المعلوم قابليّة الذات للتقييد بالقيود والأوصاف ، فيمكن تقييد الرجل والرجلين بالعدالة ، فعدم اعتبار رؤية الرجل والرجلين يكون في ظرف عدم الاتّصاف بالعدالة .
وربّما يؤيّد هذا قوله عليه السّلام : « إنّما الرؤية أن يقول القائل : رأيت فيقول القوم صدق » ؛ فإنّ تصديق القوم غالبا يكون لعدالة المخبر ، المانعة عن ارتكاب الكذب ، وإيقاع الناس في خلاف الواقع بتلبيس الحقّ وإخفائه عليهم ، وإبراز خلاف الواقع لهم بصورة الواقع ، لا أنّ تصديقهم له لأجل رؤيتهم للهلال ؛ ضرورة أنّ المدّعي للرؤية يصدّق عند كلّ من رأى الهلال من القوم وغيرهم وإن كان واحدا .
وبالجملة ، فالحقّ أنّه لا تعارض بين المضمون الثالث من المضامين المذكورة وبين المضمونين الأوّلين ، وعلى تقدير التعارض بأن يكون المراد من تصديق القوم رؤيتهم للهلال ؛ ليستفاد منه الشياع المفيد للعلم وعدم الاعتداد برؤية رجل ورجلين مطلقا وإن كانا عدلين ، فيكون هذا المضمون مطابقا للمضمون الرابع ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى .
وأمّا المضمون الرابع : فبالنظر البدوي لا يعارض ما دلّ على اعتبار العدلين ؛ لأنّه مطلق قابل للتقييد بوجود علّة في السماء ، وبكون العدلين من خارج المصر معا ، أو بأحدهما بكفاية أحد الأمرين من العلّة والخروج عن البلد في حجّيّة البيّنة ، فيصير المتحصّل بعد التقييد اعتبار شهادة العدلين مع العلّة والخروج عن البلد ، أو مع أحدهما ، فتضيّق دائرة حجّيّة شهادة العدلين بوجود علّة في السماء ، أو بكونهما من خارج المصر .
وقول الصدوق والشيخ والقاضي والحلبي وابني حمزة وزهرة « 1 » مستند إلى هذا الجمع العرفي ، لكن يعارضه المضمون الخامس النافي لاعتبار رؤية الخمسين ، فلا تجزئ رؤية الخمسين أيضا ، فالتحديد بالخمسين ضعيف . هذا .
وأمّا الجهة الثالثة :
فيقع فيها البحث تارة في صحّة وسقم سند ما دلّ على اعتبار الخمسين مع الصحو ، وأخرى في ظهوره ، وثالثة في جهة صدوره ولو مع صحّة السند وتماميّة الدلالة فالكلام في مقامات :
هامش
( 1 ) . تقدّم تخريج أقوالهم .