أنّ الأخباريّين يأخذون ظواهر الأخبار الواردة عن أئمّتنا المعصومين عليهم السّلام ، بلا تحقيق كاف في أسناده غالبا ، ولا فحص تامّ عن القرائن العقليّة والنقليّة الموجبة لصرف ظواهرها إلى المحطّ الأصليّ المشهود في مدلولهما ؛ وأمّا الأصوليّون فهم أدقّ نظرا بمواقع القرائن المتّصلة والمنفصلة ، المقاليّة والمقاميّة ، ولا يأخذون خبرا إلّا بعد الفحص التامّ عن سنده ، ولا ظهور رواية إلّا بعد ملاحظة جميع الجوانب التي يحتمل وجود ما يصرف الظهور إلى غيره .
فما أفيد في المقام من الإصرار على أخذ ظهور الإطلاقات الواردة في قضاء الصيام ، ثمّ الإصرار على إسقاط ظهور الروايات الواردة في دخالة الرؤية ، عن الموضوعيّة إلى الطريقيّة المحضة ؛ ممّا يجعل الباحث على القطبين المختلفين : من الإفراط في الأوّل والتفريط في الثاني .
التنبيه الرابع
قد روى الشيخ الطوسيّ بإسناده في التهذيب عن أبي أسامة زيد الشحّام أو غيره ، وروى الصدوق بإسناده في الفقيه وفي المجالس عن زيد الشحّام قال :
صعدت مرّة جبل أبي قبيس والنّاس يصلّون المغرب ، فرأيت الشّمس لم تغب ؛ إنّما توارت خلف الجبل عن النّاس . فلقيت أبا عبد الله عليه السّلام فأخبرته بذلك .
فقال لي : « ولم فعلت ذلك ؟ بئس ما صنعت ! إنّما تصلّيها إذا لم ترها خلف جبل ، غابت أو غارت ؛ ما لم يتجلّلها سحاب أو ظلمة تظلّها .
وإنّما عليك مشرقك ومغربك ؛ وليس على النّاس أن يبحثوا » « 1 » .
وأورده في الوسائل في كتاب المواقيت من الصلاة . وأشار إليه في باب ثبوت رؤية الهلال بالشياع وبالرؤية في بلد آخر قريب ، في كتاب الصوم . « 2 »
وهذه الرواية وإن وردت في باب المواقيت من الصلاة ، إلّا أنّه يمكن أن يستفاد من قوله عليه السّلام : « وإنّما عليك مشرقك ومغربك » ، تنقيح مناط كلّيّ في باب الصيام وغيره ، بلزوم
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 264 ، ح 1053 ؛ والفقيه ، ج 1 ، ص 142 ، ح 661 ؛ أمالي الصدوق ، ص 74 ، ح 12 .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 198 ، أبواب المواقيت ، الباب 20 ، ح 2 ، وج 10 ، ص 294 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 12 ، ح 7 .