القول بعدم لزوم الاشتراك في الآفاق وكفاية رؤية ما ولو من بعيد أو كفاية الرؤية الإمكانيّة ؛ فالله جعلها مواقيت للناس جميعا ، لكلّ بلد ولكلّ جيل .
ولا معنى لجعل الهلال الخارج عن الشعاع والقابل للرؤية في إسبانيا ميقاتا لأهل بلخ وبخارا ، ولا الهلال الطالع للعرب القاطنين في المراكش وليبيا ميقاتا للتركمن والأتراك القاطنين في الصين !
فمن التزم بهذا فقد أبطل سمات الأهلّة ، وأنكر كونها مواقيت . ومن ادّعى عدم تنافيه مع الآية الكريمة ، فهل يا ترى إلّا كونه لاعبا بالقرآن العظيم ؟
وأمّا ما استدلّ لطريقيّتها المحضة من كفاية قيام البيّنة التي هي تبيّن الواقع - كما يشعر به لفظها - على ذلك ، أو مضيّ ثلاثين يوما من شعبان ولو لم ير أحد الهلال ؛ فيرد عليه :
أوّلا : أنّ البيّنة وإن كانت صفة مشبّهة من بان يبين ، فيقال : بيّن وبيّنة كسيّد وسيّدة من ساد يسود ، وحيث إنّ موصوفها هي الحجّة ، يقال : بيّنة بالتاء ، أي حجّة واضحة لا خفاء فيها ، وبهذا المعنى تكون مرادفة للبرهان ؛ لكنّها حجّة واضحة بالنسبة إلى ما تعلّقت به لا إلى شيء آخر ، وهذا واضح . فلا بدّ من أن يلاحظ متعلّقها في كلّ مورد فيحكم بثبوته في متن الواقع بالتعبّد ، كما يحكم بالثبوت في ما إذا تعلّق به القطع الوجدانيّ .
وفي المقام : إذا فرض دلالة النصوص والفتاوى على كفاية البيّنة القائمة على دخول الشهر ، أو على خروج الهلال عن الشعاع ، أو على وجوده في الأفق ؛ كان لما أفيد من دلالة البيّنة على طريقيّة المحضة للرؤية وجه ، لقيامها مقام الرؤية ، فكلّ واحد من الرؤية والأمارة دليل على ثبوت الواقع حينئذ .
لكنّه ليس كذلك ، بل أطبق النصّ والفتوى وادّعي الإجماع على كفاية البيّنة القائمة على رؤية الهلال ليس غير .
واعترف به الأستاذ نفسه ( مدّ ظلّه ) على ما في رسالة المنهاج ؛ حيث قال : « ولا [ أي ولا يثبت الهلال ] بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية » « 1 » .
فحينئذ ليست الرؤية والبيّنة متسابقتين إلى إثبات الواقع ، أحدهما وجدانا والآخر تعبّدا . بل الرؤية الوجدانيّة تعلّقت بوجود الهلال ، والبيّنة تعلّقت بالرؤية ؛ فتعلّقت بالمتعلّق بالكسر لا بالفتح .
هامش
( 1 ) . منهاج الصالحين ، ج 1 ، ص 280 .