فإن قال : بأنّ عدد الأيّام وحساب الشهور والسنين هو المعتبر فيها وأنّه يغني « 1 » عن الأهلّة ، فقد أبطل سمات الأهلّة والشهور من الموضوعيّة في لسان العرب . ومن ذهب إلى ذلك وجب ترك الالتفات إلى قوله .
ويدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 2 » .
( وهذا نصّ منه تعالى على معرفة السنين والحساب ) « 3 » مرجوع فيها إلى القمر وزيادته ونقصانه ، وأنّ العدد لا حظّ له « 4 » في ذلك .
ويدلّ أيضا على ذلك ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين يوما » « 5 » .
فنصّ عليه السّلام أيضا صريحا غير محتمل بأنّ الرؤية هي الأصل والعدد تابع لها ، وأنّه غير معتبر إلّا بعد عدم الرؤية . ولو كان المعتبر بالعدد لما علّق الصوم بنفس الرؤية ، ولعلّقه بالعدد ، وكان يقول : صوموا بالعدد وأفطروا بالعدد ؛ والخبر يمنع من ذلك بالأشبه .
فإن قيل : كيف تستدلّون بهذا الخبر وهو من أخبار الآحاد ؛ وعندكم أنّ أخبار الآحاد لا يعوّل عليها في علم ولا عمل .
قلناه : إنّما نقول في خبر الواحد بما ذكرته إذا لم يقرن به قرينة ولا دلالة تدلّ على صحّته ، وأمّا ما يقرن به قرينة وتدلّ على صحّته دلالة فلا بدّ من القول بصحّة مضمونه ، للقرينة به . وهذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد ، فقد عضّدته قرينة وهي تلقّي الأمّة له بالقبول ؛ فصحّ الاستدلال به . وهذا ممّا لا يشتبه مثله على أهل العلم .
واعلم أنّه قد ورد في صحّة الصوم والفطر على رؤية الهلال من الأخبار المتواترة ما يكثر ذكره ويطول إيراده ، ونحن نورد بعضا من ذلك ليقف عليه من أهّل نفسه بأنس بالخبر ، ويميل إليه أكثر من أنسه بطرف النظر وميله إليها . « 6 » انتهى الموضع الذي أردنا إيراده من كلامه قدّس سرّه .
هامش
( 1 ) . في جميع النسخ : « يعني » بدل « يغني » ، وحيث لا معنى له صحّحه المصحّح .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 5 .
( 3 ) . ما بين الهلالين ليس في نسخة مكتبة المجلس . ( منه عفي عنه ) .
( 4 ) . في جميع النسخ : « لا حصا له » فصحّحه المصحّح .
( 5 ) . سنن الدارقطني ، ج 2 ، ص 167 ، ح 7 ؛ سنن النسائي ، ج 4 ، ص 133 .
( 6 ) . شرح جمل العلم والعمل ، ص 160 - 167 .