بعيد ؛ إذا ألقى الإمام عليه السّلام بأنّه « إذا شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه » « 1 » ، لا يفهم العرف إلّا البلد القريب ، الذي يمكن جعل الرؤية فيه رؤية في بلده بالحكومة وتوسيع دائرة الرؤية بالنسبة إليه بمناط اتّحاد المكان من حيث وجود الهلال فوق الأفق ، وأنّ المانع من الرؤية شيء عارضيّ ؛ كما أنّه في البلدة الواحدة إذا اتّسعت شرقا وغربا : تحقّق الرؤية في نقطة منها كاف للحكم بالرؤية في حقّ الجميع ، وذلك لمناط وحدة المكان خارجا عند العرف .
فالإمام عليه السّلام يريد أن يوسّع دائرة اتّحاد المكان في الرؤية بنحو الحكومة والاعتبار التشريعيّ ، ولا يريد نقض قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » .
وهذا الاعتبار بالنسبة إلى البلاد القريبة التي يكون القمر فيها فوق الأفق ، له مجال صحيح عند العرف ؛ وأمّا بالنسبة إلى البلاد البعيدة التي لم يكن القمر فيها فوق الأفق ، فهو بمنزلة هدم أساس الرؤية وإنكارها من رأس ، فلا يكاد يفهمه العرف .
مثلا إذا قال الطبيب للمريض : « اشرب دواء فلانيّا ولا تجاوز عنه » فهل يمكن له أن يقول ثانيا : « اشرب أيّ دواء شئت وخذ من الصيدليّ أيّة حبّة تريد ؟ » فلا يستحسنه الذوق السليم .
فإذا كلّ ما أجاز الطبيب من دواء ظاهره الإطلاق ، يحمله العرف على الأدوية المتقاربة للدواء المعيّن مزاجا وخاصّيّة .
وكما إذا قال المولى لعبده : « ائتني بماعون من ماء السكّر » ثمّ قال له : « لا بأس بأن تصبّ عليه شيئا من الماء القراح » . فيفهم العبد بالذوق الوجدانيّ أنّ ما يجوز له أن يصبّ عليه هو شيء قليل ممّا صدق عليه الماء القراح ، لا كلّ ما يصدق عليه « شيء من الماء القراح » وإن كان من الكثرة بمثابة لا يبقى معه مفهوم ماء السكّر في الماعون .
والإطلاقات الواردة في المقام من هذا القبيل ؛ وتوسعة دائرة الأمكنة التي يمكن أن تستفاد من الإطلاق ، هي إلى الأمكنة التي يقبل العرف بالحكومة والاعتبار التشريعيّ صدق الرؤية فيها .
وهي الآفاق القريبة المتّحدة مع بلد الرؤية في كون القمر فوق الأفق ، والمانع من الرؤية وجود جبل أو غيم أو ما شابههما ؛ بعين ما يراه من اتّحاد البلدة الواحدة في نقاطها المختلفة ،
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 278 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 8 ، ح 3 .