فلذلك لا يمكن نيابة العيون المسلّحة والآلات الرصديّة وحساب المنجّمين الخبراء بالزيجات المستخرجة ، عن الرؤية ؛ ولا تكفي هذه للحكم بدخول الشهر ، وإن ثبت بها كون القمر خارجا عن تحت الشعاع أو موجودا فوق الأفق يقينا .
الرابع : أنّ ما جعل بدلا للرؤية هو إتمام ثلاثين لا غير .
فلذا لا يمكن الحكم بعدم دخول الشهر في ليلة الثلاثين ، برؤية الهلال في اليوم الثامن والعشرين ؛ أو الحكم بدخوله في ليلة الثلاثين ، برؤيته في الليلة القادمة مرتفعا عن الأفق بمقدار أزيد من غاية الارتفاع الممكن في الليلة الأولى من الشهر بجعل الرصد والحساب . وغير هذه من الفروع المتصوّرة .
كلّ ذلك ، لدخالة الرؤية على وجه الموضوعيّة ، الظاهرة من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ؛ ومن الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت ( سلام الله عليهم أجمعين ) .
هذا مع ما نرى من التزام الأصحاب والتابعين والأئمّة عليهم السّلام ، بنفس الرؤية بلا تعدّ عنها .
الخامس : الشهر الشرعيّ هو المبدوّ برؤية الهلال فوق الأفق المحلّيّ
أو ما يقاربه ؛ فلا يفيدنا الشهر القمريّ الحسابيّ ، ولا الشهر القمريّ الوسطيّ ، ولا الشهر القمريّ الهلاليّ الفلكيّ .
أمّا الانصراف إلى الآفاق القريبة فممّا لا بدّ منه : لا لوجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، كما شرط عدمه صاحب الكفاية قدّس سرّه في باب الأخذ بالإطلاق ، وجعله إحدى مقدّمات الحكمة ؛ « 1 » حتّى يقال : إنّ الإطلاقات شاملة للقدر المتيقّن في مقام التخاطب وغيره ، ونحن نأخذ بها في جميع فنون الفقه ، مع أنّ في كلّ منها قدرا متيقّنا بلا إشكال ، وإلّا يلزم فقه جديد .
ولا للإغراء بالجهل والإلقاء في الخطر والمفسدة ، لو كان المراد الواقعيّ للمتكلّم خلاف ما يفيده بظاهر كلامه من الإطلاق ، بدون نصب قرينة على التقييد ؛ حتّى يقال : إنّ هذا كلام خال عن السداد ، للقاعدة الدارجة بين الموالي والعبيد في الأخذ بالإطلاق بدون انتظار مدّة لمجيء القرينة على التقييد .
ولا لأجل الشكّ في سعة المفهوم وضيقه لغة أو عرفا ، كما في لفظ الماء المشكوك صدقه على ماء الزاج والكبريت ، مع أنّه من أظهر المفاهيم العرفيّة ، كما صرّح به
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 287 .