فهل هذا إلّا قلب الحكم لجميع الأمّة ؟ فما معنى هذا التشريع ؟ فهلّا حكم الشارع لهم بتقديم صيام يوم قبل الشهر ، كي لا يقعوا في هذا المحذور ؟
إنّ تشريع القضاء في ما لا يمكن الأداء للمكلّف لعدم إمكان العلم بالتكليف ، تشريعا عامّا للجميع ، غير معقول ؛ ولكنّ هذا التشريع بالنسبة إلى أفراد خاصّة أو في بعض الأحيان لا مانع منه . فتشريع قضاء الصوم في البلاد المتقاربة للبلد المرئيّ فيه الهلال ، من هذا القبيل ؛ وأمّا بالنسبة إلى الجميع فغير صحيح .
ولذلك ترى أنّ الشارع جعل الثلاثين بدلا للرؤية في جميع الأزمنة والأمكنة . وذلك في روايات كثيرة ، أوردها الحرّ في الوسائل « 1 » والنوريّ في المستدرك « 2 » بأنّ المدار في صيام شهر رمضان على تحقّق الرؤية أو إتمام ثلاثين يوما . كما في صحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله عليه السّلام ، أنّه قال :
في كتاب عليّ عليه السّلام : صم لرؤيته وأفطر لرؤيته ؛ وإيّاك والشّكّ والظّنّ . فإن خفي عليكم ، فأتمّوا الشّهر الأوّل ثلاثين « 3 » .
وأمّا القرينة النقليّة :
فهي الأخبار الواردة من الفريقين ، لعلّها تبلغ حدّ التواتر ، بإناطة الصيام والفطر بالرؤية .
ونحن التزمنا بحكومة الأخبار الواردة الدالّة على وجوب القضاء ، على هذه الأخبار ؛ بجعل سعة دائرة الرؤية بالنسبة إلى الآفاق القريبة ، وأمّا الآفاق البعيدة فتكون على حالها من لزوم تحقّق الرؤية فيها .
إن قلت : ما الفرق بين القريبة والبعيدة في ذلك ؟ فظاهر الأخبار تحكيم البيّنة في القضاء مطلقا فلا فرق في الحكومة بين القريبة والبعيدة .
قلت : هذا مساوق لرفع اليد عن الروايات الدالّة على دخالة الرؤية بتّا ، موجب لإهمالها وإبطالها .
وذلك ، لأنّا نعلم في آخر كلّ شهر قمريّ - وهو الفصل بين المقابلتين أو المقارنتين ، أعني
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 255 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 .
( 2 ) . مستدرك الوسائل ، ج 7 ، ص 403 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 .
( 3 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 255 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 11 .