والحقّ أنّ هذه الإطلاقات لا تقصر عن سائر الإطلاقات الواردة في أبواب الفقه ؛ لولا الانصراف والقرائن العقليّة والنقليّة ، الموجبة لحصر المفهوم في بعض أفراد ما ينطبق عليه .
وهذه الموانع بأسرها موجودة في المقام .
أمّا القرينة العقليّة ، فهي :
أوّلا : أنّا نعلم أنّ ساكني نصف قطر العالم لا يرون الهلال بعد خروجه عن تحت الشعاع دائما . فإذا تشريع الأحكام المترتّبة على الرؤية ثمّ عدم تنجيزها بتّا بعدم تحقّق الرؤية خارجا ، لغو غير صادر من الحكيم ؛ لأنّ فائدة تشريع الحكم في مقام الجعل والإنشاء ، إمكان تنجّزه في الجملة ، بالعلم والقدرة وسائر الشرائط العامّة للتكليف ؛ وإلّا فالحكم المجعول في عالم الإنشاء غير القابل للتنجيز ، بعدم تحقّق ما يوجب تنجّزه دائما ، عبث محض .
وأنت ترى أنّ أظهر مصاديق هذا الحكم العقليّ الذي ذكرناه هو الحكم بوجوب الصيام أداء المترتّب على الرؤية ، بالنسبة إلى نصف العالم ، مع عدم إمكان تحقّقها ؛ بمجرّد تحقّقها في القطر الآخر .
فإن قلت : إنّ من شرائط الوجوب تحقّق الرؤية ، فحيث إنّها في هذا القطر لم تتحقّق ، لم يتحقّق التكليف بالصيام ؛ فأيّ محذور فيه ؟
قلت : إنّا نعلم علما يقينيّا أنّ القمر خرج عن تحت الشعاع بالحساب في نقطة من نقاط العالم ، فرآه كثير من أهالي تلك النواحي والبلاد وإن لم يصل الإخبار برؤيتهم إلى هذا القطر إلى الأبد ؛ فالرؤية في الجملة قطعيّة والعلم بها حاصل ، والإخبار بها ليس شرطا للموضوع .
فإذا يصير أهل هذا القطر مشمولا للحكم ، لتحقّق الموضوع .
ومحصّل الكلام : إن سلّم تحقّق الرؤية ، فالحكم ثابت وغير معقول ؛ ومع عدم معقوليّته حيث لا حكم ولا تشريع ، فالقضاء غير معقول .
وثانيا : حكم الشارع بوجوب القضاء ، يوجب تقلّب الحكم على المسلمين ؛ لما ذكرنا من أنّ ساكني نصف القطر لا يرون الهلال دائما .
فلو حكّم الشارع الرؤية على المسلمين في أقطار العالم وجعل صومهم عليها ، وعند عدم الرؤية حكّم البيّنة - بعد ستّة أشهر أو تسعة أشهر أو سنة - على أنّ في البلدة الكذائيّة في نقطة خاصّة من المغرب مثلا رئي الهلال ، فلا بدّ وأن يقضوا صيامهم جميعا في نصف القطر ؛