فما اشتهر بين متأخّري أصحابنا من الفرق ، ثمّ اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ؛ لا وجه له « 1 » . انتهى .
أقول : إنّ بناء التكليف على نفس الرؤية مسلّم ، ولكن لا نسلّمه بالجملة ، كما اعترف به هو رحمه اللّه وحكم باتّحاد جميع البلدان مع عدم الرؤية إلّا في بعضها .
وأمّا مناط التكليف على جواز الرؤية بعد تحقّق رؤية ما ، فلحكومة أخبار القضاء على أخبار لزوم الرؤية ، بتوسيع دائرة الرؤية كما عرفت .
وعدم انضباط القرب والبعد للجمهور ، لا يوجب رفع اليد عن الحكم ، بل حالهما كسائر الموضوعات غير المنضبطة ؛ فلا بدّ من الرجوع إلى أهل الخبرة ، وعند عدم التمكّن إلى الأصول الموضوعيّة .
والشهرة بين متأخّري الأصحاب من الفرق ، لا تدلّ على عدم اشتهار الفرق بين متقدّميهم ؛ بل الأمر كذلك ، لبنائهم على الرؤية والحكم بالثبوت في البلاد غير المرئيّ فيها الهلال التي يصل إليها الخبر من الخارج عادة .
ولم يعرف منهم الحكم في البلاد المتباعدة غير المرئيّ فيها الهلال التي لا يصل إليها الخبر إلّا بعد أزمنة طويلة بحسب ذلك العصر .
ولو كان بناؤهم على ترتيب أحكام الثبوت فيها لنقل إلينا يقينا ؛ لأنّ الصيام والفطر في رمضان ليسا من الأمور الخفيّة ، لرجوعهما إلى مجتمع أهل البلد .
واختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ، كاختلافهم في غالب موضوعات الأحكام سعة وضيقا ، لا دخل له في الحكم .
ثمّ وجه هذا الحكم المشهور ، ما سنبيّن من انصراف الإطلاقات الواردة إلى الأفراد الشائعة .
وأمّا صاحب الجواهر قدّس سرّه ، الذاهب إلى عدم لزوم الاشتراك في البلدان بناء على عدم الاختلاف في المطالع في الرّبع المسكون « 2 » ، فبما قدّمنا لك من المقدّمات العلميّة تعرف أنّ ما ذهب إليه غير مقبول .
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 11 ، ص 120 - 121 .
( 2 ) . جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 361 .