وأنت خبير بأنّ هذا تأويل لم يرض به صاحبه .
العلّامة كان ينادي صريحا ، بأنّه إذا احتمل كون الهلال فوق الأفق وأمكن الرؤية ، لتسطيح الأرض ، أو لكرويّتها لكن لكون المعمورة منها بالنسبة إلى سعة السماء قليلة لا تمنع من رؤيته ؛ ففي هاتين الصورتين فالحقّ هو التساوي . وأمّا إذا فرضنا كرويّتها وقلنا بأنّ الكرويّة تمنع من الرؤية ، ففي هذه الصورة لم يكن الهلال فوق الأفق في البلاد المتباعدة بل يخفى تحت قوس الأرض ؛ فلا يحكم بدخول الشهر « 1 » .
وهذا بعينه مذهب المشهور .
ثمّ أين في كلامه إنكار الكرويّة ؟ مع أنّه في التذكرة صرّح بمنع التسطيح ، وأنّ المشهور كرويّة الأرض « 2 » . وذكرنا أيضا استدلال ولده فخر المحقّقين في شرحه على القواعد على كرويّتها « 3 » .
ثمّ إنّه على فرض ذهاب العلّامة إلى مذهب غير المشهور بانيا على عدم كرويّة الأرض ، كيف يمكن أن يورد كلامه تأييدا لخلاف مذهب المشهور ؛ حيث إنّ الكرويّة ثابتة قطعا ، فلا مجال لبقاء حكمه المبنيّ على عدم الكرويّة أيّ مجال .
هذا مع أنّه في القواعد ذهب إلى الحكم بلزوم التقارب في البلاد بلا احتمال خلاف . « 4 »
وأمّا الشهيد رحمه اللّه في الدروس فقد قطع بلزوم تقارب البلاد في الرؤية ، ولم يمل إلى غيره أصلا ؛ حيث قال :
والبلاد المتقاربة كالبصرة وبغداد متّحدة ، لا كبغداد ومصر ؛ قاله الشيخ . ويحتمل ثبوت الهلال لمن في البلاد المغربيّة ، برؤيته في البلاد المشرقيّة وإن تباعدت ؛ للقطع بالرؤية عند عدم المانع « 5 » . انتهى .
وهذا كلامه ، كما ترى ينادي صريحا بلزوم التقارب وأمّا احتمال ثبوت الهلال في
هامش
( 1 ) . منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 593 .
( 2 ) . تذكرة الفقهاء ، ج 6 ، ص 124 ، المسألة 76 .
( 3 ) . إيضاح الفوائد ، ج 1 ، ص 252 .
( 4 ) . قواعد الأحكام ، ج 1 ، ص 387 .
( 5 ) . الدروس الشرعيّة ، ج 1 ، ص 285 .