لأنّ ما ذكره أوّلا من الاستدلال ، فهو من قبيل احتمالات الفقيه في بدء بحثه حول المسألة ، وإيراد غاية ما يمكن أن يستدلّ به المخالف في نقيض المطلوب ؛ ثمّ يختار ما عنده بحسب رأيه .
ولذلك ترى أنّ ما أفاده أوّلا ، هو عين ما نقل في التذكرة عن بعض الشافعيّة والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وبعض علمائنا « 1 » ، ثمّ ردّ كلّ واحد من هذه الوجوه ؛ والتذكرة هو أتقن كتب العلّامة وأحسنها . وممّا يشهد على ذلك أنّه أدخل في جملة أدلّته نفس ما تمسّك به المخالفون من حلول الطلاق والعتاق به ومعلوم أنّه مناف لمذهبه ، لمكان مانعيّة التعليق فيهما .
وبالجملة ، اختيار العلّامة في المنتهى هو عدم تساوي البلاد ؛ إن علم طلوع القمر في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها المتباعد عنه ، لكرويّة الأرض . وأمّا بدون ذلك ، أي إن لم نقل بكرويّة الأرض كما إذا فرض تسطيحها أو علم عدم طلوعه في بعضها الغير [ كذا ] المتباعد بجهة أخرى غير كرويّة الأرض ، مثل ما إذا كانت السماء متغيّمة غير مصحية ؛ فالتساوي هو الحقّ .
وهذا بعينه مذهب المشهور .
لكنّ صاحب الحدائق المصرّ على عدم لزوم الاشتراك في الآفاق ، بانيا على مذهبه من تسطيح الأرض ، والرادّ على الفاضل الخراسانيّ رحمه اللّه في الذخيرة ردّه على العلّامة ما استدلّ به في أوّل كلامه ؛ أوّل ما استدرك به العلّامة في كلامه الأخير ، حيث قال :
وأمّا قوله أخيرا : وبالجملة - إلى آخره ، فالظاهر أنّه إشارة إلى منع ما ادّعوه من الطلوع في بعض وعدم الطلوع في بعض للتباعد ، وأنّه غير واقع . لما ذكره أوّلا من أنّ المعمورة من الأرض قدر يسير لا اعتداد به بالنسبة إلى سعة السماء ، وأنّه لو فرض حصول العلم بذلك فالحكم عدم التساوي ؛ فلا منافاة فيه لأوّل كلامه كما استدركوه عليه .
وملخّصه أنّا نقول بوجوب الصوم أو القضاء مع الفوات ، متى ثبتت الرؤية في بلد آخر قريبا أو بعيدا ؛ وما ادّعوه من الطلوع في بعض وعدم الطلوع في آخر ، بناء على ما ذكروه من الكرويّة ممنوع . انتهى . « 2 »
هامش
( 1 ) . تذكرة الفقهاء ، ج 6 ، ص 123 ، المسألة 76 .
( 2 ) . الحدائق الناضرة ، ج 13 ، ص 266 .