وإذا أريد أنّ الإطلاقات منصرفة إلى النواحي المعمورة من الأرض ، وحيث إنّ تحتها لم يكن معمورا في ذلك الزمان لا يكون الحكم شاملا له ؛ ففيه : هلّا يلتزم هذا في الصلاة والصوم والحجّ وغيرها من الأحكام ، والتزم باختصاصه بالنسبة إلى رؤية الهلال ومطالع القمر ؟
مع أنّ سياق جميع إطلاقات الأحكام الواردة ، من هذه الجهة على نسق واحد .
والحقّ عدم الفرق في المعمورة وغيرها . لأنّه مضافا إلى أنّ القدر المتيقّن في الخارج أو في مقام التخاطب لا يوجب الانصراف ؛ تدفعه العمومات المنصوصة مثل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً
« 1 » ، وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 2 » ، وقوله عليه السّلام : « إنّ للّه تبارك وتعالى حكما يشترك فيه العالم والجاهل » « 3 » ؛ بلا فرق بين أهالي الأراضي المعمورة وغيرهم من حيث الشمول والإطلاق والتقييد وسائر الجهات .
فهذه أمور كلّما دقّق فيها النظر ، تزيد في الإشكال والغموض ؛ فرفعها لا يمكن إلّا برفع اليد عن الحكم المبحوث عنه ، وهو أتقن وأسهل .
وممّا ذكرنا تبيّن أنّ ذهاب المشهور إلى لزوم الاشتراك في البلدان مبنيّ على دخالة رؤية القمر في دخول الشهر ، وأنّ للمطالع والمغارب بالنسبة إلى القمر دخلا في دخول شهر وخروج شهر ، وعدم كفاية نفس خروج القمر عن تحت الشعاع في هذا الأمر ؛ لا على تخيّل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها .
فإنّ من الواضح أنّ نفس الخروج لا صلة لها ببقاع الأرض مع غضّ النظر عن المحاذاة ، ولكنّ الرؤية بعد الخروج الدخيلة في تكوين الشهر القمريّ بما لها من الأحكام ، لها صلة ببقاع الأرض .
لأنّ حالة القمر ، مع وجود النواحي الكثيرة المختلفة الأوضاع في الأرض وعدمها ، وإن كانت سواء ولكنّ حالة رؤية القمر التي هي الأسّ لم تكن مع هذه وعدمها سواء .
وهذه علّة ذهاب المشهور إلى فتواهم .
هامش
( 1 ) . سبأ ( 34 ) : 28 .
( 2 ) . الأنبياء ( 21 ) : 107 .
( 3 ) . لم نقف عليه .