الانثلام والنقصان إلى أن يعود التساوي بين النور والظلام في جرمه في الليلة الثانية والعشرين ، وتفضل الظلمة بعدها على النور إلى أن يعود إلى صورة الهلال الأوّل الدقيق في جهة المشرق في الغدوات ، والنور منه في جميع الأحوال في الجانب الذي يلي الشمس ، ثمّ يستتر بعد ذلك بشعاع الشمس ، فيسمّى مدّة استتاره سرارا لذلك ، ومحاقا ؛ لانمحاق الضوء عنه إلى أن يعود إلى صورة الهلال في المغرب بالعشيّ ، ويجتمع مع الشمس في وسط هذه المدّة ، فيسمّى ذلك اجتماعا مطلقا ، ويسمّيه بطليموس في كتاب المجسطيّ اتّصالا ، وقلّما يوصف بالمقارنة وبالاحتراق من جهة العادة والاصطلاح . فأما من جهة القياس فإنّ هذا الاجتماع هو مقارنة القمر للشمس واحتراقه بها ، وكذلك بدوره يسمّى استقبالا مطلقا وامتلاء .
إذا علمت ذلك ، فاعلم أنّ مراد الشهيدين ( أعلى الله مقامهما ورفع في الخلد أعلامهما ) أنّه لا اعتبار بالخفاء ليلتين من آخر شعبان في الحكم بالهلال بعد الليلتين المذكورتين .
وفي بعض النسخ « بعدها » بدل « بعدهما » ، فحينئذ الضمير للّيلة ، أي بعد الليلة الثانية .
قال الشارح قدّس سرّه : « خلافا لما روي في شواذّ الأخبار من اعتبار ذلك كلّه » . « 1 »
أقول : لفظة « من » في قوله : « من اعتبار ذلك » بيان لقوله : « لما » يعني أنّ الدليل على اعتبار ذلك المذكور كلّه شواذّ من الأخبار .
والظاهر أنّ المراد منها ما رواه الشيخ عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن إسحاق بن عمّار - في الموثّق - قال :
سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان ؟ فقال :
« لا تصمه إلّا أن تراه ، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه ، وإذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل » . « 2 »
وهذا الموثّق يشعر بأنّ الهلال إذا رئي قبل الزوال في يوم الثلاثين فهو للّيلة الماضية على الأقرب ، وفاقا للناصريّات « 3 » ؛ مدّعيا عليه إجماع الفرقة المحقّة ونفي الخلاف فيه بين الصحابة ، بل ظاهره إجماعهم عليه ، بل يشعر أنّ ذلك هو المشهور بين الأصحاب وهو
هامش
( 1 ) . الروضة البهيّة ، ج 2 ، ص 114 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ص 178 ، ح 493 .
( 3 ) . المسائل الناصريّات ، ص 291 ، المسألة 126 .