إحداهما : مرتبة عين اليقين ، وهي أن تصير بحيث تشاهد المعقولات في المعارف المفيضة إيّاها كما هي .
والثانية : مرتبة حقّ اليقين ، وهي أن تصير بحيث تتّصل بها اتّصالا عقليّا ، وتلاقي ذاتها تلاقيا روحانيّا .
وفي أنوار التنزيل :
العارفون بالله إمّا أن يكونوا بالغي درجة العيان ، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان .
والأوّلون إمّا أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا ، وهم الأنبياء ، أو لا فيكونون كمن يرى الشيء من بعيد ، وهم الصدّيقون . والآخرون إمّا أن يكون عرفانهم بالبراهين الناطقة ، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه ، وإمّا أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئنّ إليها نفوسهم ، وهم الصالحون . « 1 »
واليقينيّات ستّ :
أوّلها : الأوّليّات ، وتسمّى البديهيّات ، وهي ما يجزم به العقل بمجرّد تصوّر طرفيه ، نحو :
« الكلّ أعظم من الجزء » و « النقيضان لا يجتمعان » .
ثانيها : المشاهدات الباطنيّة ، وهي ما لا يفتقر إلى عقل ، كجوع الإنسان وعطشه وألمه ، فإنّ البهائم تدركه .
ثالثها : التجربيّات ، وهي ما يحصل من العادة ، كقولنا : « الرمّان يحبس القيء » .
وقد يعمّ ، كعلم العامّة بالخمر أنّه مسكر .
وقد يخصّ ، كعلم الطيب بإسهال المسهلات .
رابعها : المتواترات ، وهي ما يحصل بنفس الأخبار تواترا ، كالعلم بوجود مكّة لمن لم يرها .
خامسها : الحدسيّات ، وهي ما يجزم به العقل لترتيب دون ترتيب التجربيّات مع القرائن ، كقولنا : « نور القمر مستفاد من الشمس » .
سادسها : المحسوسات ، وهي ما يحصل بالحسّ الظاهر ، يعني بالمشاهدة ك « النار حارّة » و « الشمس مضيئة » . فهذه جملة اليقينيّات التي يتألّف منها البرهان .
هامش
( 1 ) . أنوار التنزيل ( تفسير البيضاوي ) ، ج 1 ، ص 359 ، ذيل الآية 69 من سورة النساء ( 4 ) .