ولا يطوّل النظر في تفصيلها قولا ، ولكن يحقّقها عملا ، فإنّه إقبال بكنه الهمّة على الله عزّ وجلّ ، وانصراف عن غير الله سبحانه ، وتلبّس بمعنى قول الله عزّ من قائل :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
« 1 » .
المقدّمة الخامسة : اعلم أنّ كلّ ما يتعقّل في الذهن لا يخلو إمّا أن يحصل منه جزم ، أو لا ،
والثاني إمّا أن يتساوى طرفاه ، أو لا ، والأوّل هو الشكّ ، والثاني له طرفان : راجح ومرجوح ، والأوّل هو الظنّ ، والثاني هو الوهم .
والأوّل - يعني ما يحصل منه الجزم - لا يخلو إمّا أنّه مطابق للواقع ، أو لا ، والثاني هو الجهل المركّب ، والأوّل إمّا ممكن الزوال ، أو لا ، والأوّل التقليد ، والثاني اليقين والعلم .
وقد يقسّم المدرك بتقسيم آخر ، وهو : أنّ التصديق إن كان مع تجويز نقيضه ، يسمّى ظنّا ، وإلّا جزما واعتقادا ، والجزم إن لم يكن مطابقا للواقع ، يسمّى جهلا مركّبا ، وإن كان مطابقا له ، فإن كان ثابتا - أي : ممتنع الزوال بتشكيك مشكّك - يسمّى جهلا مركّبا ، وإن كان مطابقا له ، فإن كان ثابتا - أي : ممتنع الزوال بتشكيك مشكّك - يسمّى علما ويقينا مستقرّا في القلب ؛ لثبوته من سبب متعيّن له بحيث لا يقبل الانهدام ، من يقن الماء في الحوض : إذا استقرّ ودام ، والمعرفة تختصّ بما لا يحصل من الأسباب الموضوعة لإفادة العلم ، وإلّا يسمّى تقليدا .
والأوّل أضبط من هذا التقسيم ؛ لشموله الظنّ والوهم ، بخلاف هذا التقسيم .
أقول : هذا إذا أريد من الظنّ الاعتقاد الراجح فقط ، ولو أريد به اليقين - كما في قوله تعالى :
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
« 2 » وقوله سبحانه :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
« 3 » كما ذكره العلّامة شيخنا البهائي رحمه الله في شرح الحديث السابع [ عشر ] « 4 » من كتابه الأربعين ؛ حيث قال المأمون :
للّه درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
« 5 » فقال الرضا عليه السلام : « ذلك يونس بن متّى
ذَهَبَ مُغاضِباً
لقومه « 6 »
فَظَنَّ
بمعنى
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 91 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 46 .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 87 .
( 4 ) . ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر .
( 5 ) . الأنبياء ( 21 ) : 87 .
( 6 ) . في الأصل : « لقوله » بدل « لقومه » . وما أثبتناه هو الصحيح كما في المصدر .