يؤخذ الصبيّ إذا راهق بالصوم تأديبا ، وليس بفرض ، وكذلك المسافر إذا أكل من أوّل النهار ثمّ قدم أهله أمر بالإمساك بقيّة يومه ، وليس بفرض . وأمّا صوم الإباحة لمن أكل وشرب ناسيا ، أو قاء من غير تعمّد ، فقد أباح الله له ذلك وأجزأ عنه صومه . وأمّا صوم السفر والمرض فإنّ العامّة قد اختلفت في ذلك ، فقال قوم : يصوم ، وقال آخرون :
لا يصوم ، وقال قوم : إن شاء صام وإن شاء أفطر ، وأمّا نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعا ، فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء ، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول :
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
« 1 » . فهذا تفسير الصيام » . « 2 »
ثمّ اعلم أنّ للصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص .
وأمّا صوم العموم : فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة .
وأمّا صوم الخصوص : فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح من الآثام .
قال الصادق عليه السلام :
إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك - وعدّ أشياء غير هذا ، وقال : - لا يكون يوم صومك كيوم فطرك . « 3 »
وأمّا صوم خصوص الخصوص : فصوم القلب من الهمم الدنيئة والأفكار الدنيويّة ، وكفّه عمّا سوى الله عزّ وجلّ بالكلّيّة .
ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عزّ وجلّ واليوم الآخر ، وبالفكر في الدنيا إلّا دنيا تراد للدين ؛ فإنّ ذلك من زاد الآخرة ، وليس من الدنيا في شيء ، حتّى قال أرباب القلوب : من تحرّكت همّته بالتصرّف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه ، كتبت عليه خطيئته ، فإنّ ذلك من قلّة الوثوق بفضل الله عزّ وجلّ ، وقلّة اليقين برزقه الموعود ، وهذه رتبة الأنبياء والصدّيقين والمقرّبين .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .
( 2 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 83 - 87 ، باب وجوه الصوم ، ح 1 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 294 - 297 ، ح 895 .
( 3 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 194 ، ح 554 .