وقال : « إنّه مذهبنا » « 1 » ، والظاهر منه كونه مذهب الشيعة ، وكيف يكون مذهب الشيعة ، مع أنّه بنفسه لم يقل به في كتبه المعروفة ! ؟ فما ظنّك بغيره ؛ إذ لم يوافقه أحد ممّن عاصره ، ولا من تقدّم عليه ، ولا من تأخّر عنه ، بل ادّعوا الإجماع على خلاف ذلك ! ؟ ولا شكّ في أنّه في زمن السيّد رحمه اللّه لم يكن ذلك مذهب الشيعة حتّى يقول : « مذهبنا » ؛ إذ لو كان كذلك ، لشاركه واحد من الشيعة ، بل هو ما شارك نفسه في كتبه ، فتعيّن أنّ مراده رحمه اللّه إمّا ذلك ، أو ما تقدّم من أنّ المراد الغالب كذا ؛ لأنّ عنايته رحمه اللّه في كتبه المعروفة وعناية سائر الفقهاء إنّما هي بشأن الصوم والفطر لا غير ، وكلّهم متّفقون على حصول ظنون قويّة من الجدول أو غيره ، وأنّه لا عبرة بها في الصوم والفطر وإن جاز اعتبارها في حكاية أعمال الشهر ، المستحبّة احتياطا أو غير ذلك ممّا تعتبر فيه المظنّة ، ولعلّه لهذا ادّعوا الإجماع ، ولم يتعرّضوا لمخالفته في بعض مسائله ، ولم يعتنوا بشأنه أصلا .
وممّا ذكرنا ظهر عدم التعارض أيضا لو كان مرادهم أنّه من الليلة الماضية بحسب الواقع ؛ لأنّهم عليهم السلام جعلوا الرؤية شرطا لوجوب الصوم والإفطار ، كما صرّح به الأخبار المتواترة المعمول بها عند الفقهاء ، وأنّه إن لم تتحقّق الرؤية يجب الإكمال ثلاثين يوما . فعلى هذا ، تكون الرؤية من جملة الشرائط الشرعيّة ، كالحضر وعدم المرض وعدم الضرر ، إلى غير ذلك بالنسبة إلى الصوم والفطر .
ألا ترى أنه إذا حصل لمنجّم اليقين من الجدول بأنّ الليلة من الشهر ، فأيّ مانع في أنّه لا يجوز ولا يحلّ الصوم والإفطار إلّا أن تتحقّق الرؤية أو تثبت بشياع أو عدلين ؟
ألا ترى أنّ القاضي إن كان له علم من الخارج بأنّ الحقّ مع [ أحد ] الخصمين ، وقع النزاع في أنّه هل يجوز له أن يحكم بما هو يعلم ، أو لا بدّ من أن يحكم بشهادة العدلين وغيرها من الظنون الشرعيّة ؟
ألا ترى أنّ المعصوم عليه السلام إذا صرّح بما ذكرناه في حديث واحد بأن قال : إذا رأيتم الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ، إلّا أنّه لا يجوز لكم - بحسب الحكم من الشرع - أن تصوموا وتفطروا بذلك ، بل لا بدّ عن الصوم والإفطار من الليلة في الليلة ، لم يعدّ الكلامان متناقضين ،
هامش
( 1 ) . المسائل الناصريات ، ص 291 ، المسألة 126 .