الشهرة بين من تأخّر عنه لا يفيد ولا يكون حجّة أصلا ؛ لما حقّق والدي العلّامة في رسالته الجمعة ، وصرّح جدّي في الكفاية بأنّ الشهرة بين المتأخّرين « 1 » ، ولعلّ منشأ الشهرة قول الشيخ هنا ، حيث ذكر الشهيد الثاني :
أنّ بعد زمان الشيخ لم يكن مفت على التحقيق ، وكانوا مقلّدين له ، فلمّا رأى المتأخّرون حكمهم في مسألة زعموا أنّ تلك المسألة مشهورة بين الأصحاب ، ولم يتفطّنوا أنّ منشأ حكمهم فتوى الشيخ ، فقالوا : إنّ المشهور بين الأصحاب ذلك . قال : وتنبّه بذلك الشيخ سديد الدين ، ورضي الدين بن طاووس ، وجماعة « 2 » .
وبالجملة ، إن كان مقصودكم أنّ المنقول ثابت قطعا فهو غير معتبر في كونه دليلا ، وإن كان ظنّ الثبوت في الواقع فقد عرفت حاله ، وأنّه يفيد الظنّ في الجملة ، كما قرّر والدي في الرسالة . والتمسّك بالأصل والاستصحاب كما ترى ، وغرضي أنّ من أنصف بعد ملاحظة الأطراف وأمعن النظر وخلّي من جميع الأغراض ، علم قوّة اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال .
وما قلت من فزع المسلمين من زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى زماننا هذا في الرؤية الرؤية في الليل ، فحمل أحاديث الرؤية عليه .
قلنا : إن أراد أنّ الرؤية في الليل شائعة متبادرة منساقة إلى الذهن ، ولا ينساق غيرها إليه فهي ممنوعة ؛ فإنّ الرؤية قبل الزوال شائعة متعارفة ، مختلف فيها بين الخاصّة والعامّة ، متوفّرة الدواعي ، لكن شيوعها ليس بمرتبة شيوع الرؤية في الليل .
وإن أراد أنّ هذا الفرد من الرؤية أشيع من الفرد الآخر فمسلّم ، لكن لا يجديه نفعا ، ولعلّ عدم فزع المسلمين وإقبالهم جميعا للترائي والتطلّب قبل الزوال لجهة الاختلاف في المسألة ؛ فإنّه بعد حصول الرؤية قليل الفائدة بالنسبة إلى تلك الرؤية ، وكثيرامّا يستدلّ القوم بالمطلقات مع كون بعض أفرادها أشيع من بعض ، كما لا يخفى على المتتبّع ، مع دلالة بعض الأخبار دلالة واضحة على اعتباره ، ولم يقع التصريح بخلافه في خبر معتبر ، بل بزعمكم بعض الأخبار ظاهر الدلالة على عدم الاعتبار ، وبعضها لم يدلّ على أحد من المذهبين ، فلم يقع التصريح بخلافه ، وبزعمنا وزعمكم بعض الأخبار صريح فيما ادّعيناه ، وبعضها محتمل
هامش
( 1 ) . كفاية الأحكام ، ج 1 ، ص 260 .
( 2 ) . الرعاية ، ص 75 .