قلت : فتعبير هذه المعنى بالأصل غير سديد ، مع أنّه يظهر من كلماته أنّه غير مراده ، ولعلّ مراد صاحب المدارك بالأصل « 1 » هو عدم الاعتبار ، فحينئذ معارض بأنّ الأصل عدم وجوب صوم هذا اليوم ، مع أنّ أكثر الأصول المستعملة في كتب القوم ممّا لا أصل له . والحقّ ما أصّله الفاضل القاساني في الأصول الأصيلة « 2 » .
وقوله : « عدم الخروج عن اليقين » فيه أنّ تحصيل البراءة اليقينيّة يلزم من التكليف الثابت ، وثبوته في هذا اليوم ممنوع ، فتدبّر .
وأمّا « قول معظم الأصحاب » ، إن أراد معظم أصحابنا المتقدّمين فممنوع ، بل صرّح جدّي العلّامة في الكفاية بأنّ الشهرة بين المتأخّرين « 3 » . وإن أراد معظم أصحابنا المتأخّرين فلا يجديه نفعا ، كما قرّر والدي رحمه اللّه في الرسالة « 4 » .
وقوله : « ويشيّد ما قلنا . . . » - إلى آخره - فيه أنّ جريان عادتهم بالاستهلال في الليل مبنيّ على الأغلبيّة لا للحكم بأنّ التطلّب والترائي متعيّن في الليل وحده ، والحكم بوجوب الاستهلال واستحبابه في الليل دون غيره مبنيّ على أنّ هذا الفرد من الرؤية متّفق عليه ، والفرد الآخر مختلف فيه .
وقوله : « المتبادر الشائع المنساق إلى الذهن من الرؤية هو الرؤية في الليلة » مسلّم ، لكن جهة العموم بحسب ظاهر اللفظ ، وكون الفرد المقصود غالبا المنساق ذهنا بعض ما يشمله اللفظ ، متعارضان ، فإذا تعارضا تساقطا ، فالتمسّك به في مقام الاستدلال ، سيّما عند تعارض سائر الأدلّة ساقط ، كما ذكر جدّي العلّامة في غير هذا الموضع « 5 » ؛ ولهذا جعل أحاديث الرؤية على عمومها من المؤيّدات ، ولم يجعلها دليلا . « 6 »
هامش
( 1 ) . مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 179 .
( 2 ) . طبعت محقّقة في قم المقدّسة ، عام 1412 ه .
( 3 ) . كفاية الأحكام ، ج 1 ، ص 260 .
( 4 ) . يعني في الرسالة السابقة برقم 7 .
( 5 ) . « قال العلّامة المجلسي ( طاب ثراه ) في حاشيته على التهذيب [ - ملاذ الأخيار ، ج 6 ، ص 455 ] : واستدلّ بهذا الخبر لردّ المرتضى رحمه اللّه . ولا يخفى ما فيه . انتهى . فعلم منه أنّ هذا الخبر بزعمه أيضا لا يدلّ على عدم الاعتبار » .
( منه رحمه اللّه ) .
( 6 ) . ذخيرة المعاد ، ص 533 .