الوجوب لا يخلو من تأمّل وجرأة ؛ لمكان الاستصحاب المؤيّد بقوله تعالى :
أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
« 1 » وعدم ثبوت حجّيّة خبر الواحد ، كما نبّه عليه أيضا المعاصر المتقدّم ذكره الشريف « 2 » .
أقول : في كلامه قدّس سرّه إيماء لطيف إلى عدم دلالة غير هذين الخبرين على اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال ، كما ظنّه صاحب الذخيرة « 3 » ، وجعله جبرا وقهرا دليلا عليه ، أو إشارة خفيّة إليه .
ولا يخفى أنّ الاستدلال بمثل هذا على مثل ذلك خارج عن قانون الاستدلال ؛ لأنّ مداره من السلف إلى الخلف على الظاهر المتبادر ، لا على الاحتمالات البعيدة غير المنساقة إلى الأذهان .
هذا ، واعلم أنّ العاملين بخبر الواحد الصحيح اختلفوا في العمل بالحسن والموثّق « 4 » ، فمنهم من عمل بهما ، ومنهم من ردّهما وهم الأكثرون ؛ حيث اشترطوا في قبول الرواية الإيمان والعدالة ، كما قطع به العلّامة في كتبه الأصوليّة « 5 » وغيره « 6 » .
وعلى هذا ، فهذان الخبران غير معمول بهما عند الأكثرين وإن سلّمنا كون سند الثاني موثّقا ، بل نقول : إنّ العمل بخبر الواحد العدل في مثل ذلك لا يخلو من إشكال ، إلّا أن تكون هناك قرائن تفيد العلم أو الظنّ بصدق الخبر .
ولذلك قال المحقّق في المعتبر :
الوجه الذي لأجله عمل برواية الثقة قبول الأصحاب وانضمام القرائن ؛ لأنّه لولا ذلك لمنع العقل من العمل بخبر الثقة ؛ إذ لا قطع بقوله « 7 » .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 187 .
( 2 ) . نقله عنه العلّامة المجلسي في ملاذ الأخيار ، ج 6 ، ص 480 .
( 3 ) . ذخيرة المعاد ، ص 533 .
( 4 ) . « في الدراية الشهيديّة [ - الرعاية ، ص 73 ] : اختلفوا في العمل بالحسن ، فمنهم من عمل به مطلقا كالصحيح ، ومنهم من ردّه مطلقا وهم الأكثرون ، وفصّل آخرون فقبلوا الحسن إذا كان العمل بمضمونه مشتهرا .
وكذا اختلفوا في العمل بالموثّق نحو اختلافهم في الحسن ، فقبله قوم مطلقا ، وردّه آخرون ، وفصّل ثالث » ( منه رحمه اللّه ) .
( 5 ) . مبادئ الوصول إلى علم الأصول ، ص 206 .
( 6 ) . كصاحب المعالم ، انظر معالم الأصول ، ص 200 - 201 .
( 7 ) . المعتبر ، ج 1 ، ص 29 - 30 ، مقدّمة الكتاب .