لم يظهر له مأخذه ، ولم يقدر على العلم به بنفسه ، كالمسائل الكلّيّة المستنبطة من الأدلّة ، أمّا الجزئيّات المقدورة للمكلّف بعد معرفة الكلّيّات فلا « 1 » .
إذا تقرّر هذا ، فنقول : إنّما يأخذ المقلّد فيما نحن بصدده من الحاكم أنّه هل يثبت الهلال بعدلين أم لا ؟ وهل العادل من اتّصف بكذا وكذا ؟
ثمّ بعد ما أفتى الحاكم بالثبوت بالعدلين ، وبيّن له شرائط العدالة ، واستبان له حال تينك المسألتين ، يجب عليه إذن السماع من الشهود ، وملاحظة شرائط العدالة فيهم ، وهذا أمر جزئي مرجوع إليه ، ولا مدخل للحاكم فيه .
نعم ، على الحاكم أيضا في حقّ نفسه أن يلاحظهم ، ويسمع منهم . والحاكم وغيره سيّان في ذلك ، مكلّفان بما استقرّ به ظنّهما ؛ فلذلك يختلف الحال بالنسبة إليهما ؛ إذ قد لا يطّلع الحاكم على جرح الشهود ، فيثبت ويطّلع المكلّف عليه ، فلا يثبت عنده ، وقد يكون الحال على عكس ذلك ، فيطّلع الحاكم على الجرح ، ولم يطّلع المكلّف عليه ، فينعكس الأمر .
ومن هاهنا ترى ( الآثار والأخبار وفتاوى العلماء الأخيار على أنّه يجب العمل بشهادة الشاهدين وإن لم يثبت عند الحاكم ، سواء شهدا عنده ) « 2 » ولم يثبت ، أو لم يشهدا ، ولا أظنّك في
هامش
( 1 ) . « والحاصل أنّ إيقاع المكلّف به يتوقّف على العلم به ، وذلك لا يحصل إلّا بأمرين :
أحدهما : العلم بضابطة كلّيّة ، هي مسألة علميّة ، وهو إنّما يحصل للمجتهد بالاستنباط عن الأدلّة ، فلذلك يحكم هو فيه بما علمه ، ويأخذ المقلّد بما حكمه .
وثانيهما : معرفة أمر جزئي ، وهذا يحصل بسهولة وأدنى عناية ؛ فلذلك لم يكلّف فيه بالأخذ عن المجتهد ، ففي ما نحن فيه يتوقّف التكليف بالصوم على العلم بدخول شهر رمضان ، وذلك يحصل بالعلم بمسائل من جملتها أنّه يعلم دخوله بشهادة عدلين ، وهذه المسألة يجب أخذها من المجتهد ، ثمّ بعد ذلك لا بدّ من معرفة أنّ زيدا وعمرا - مثلا - قد شهدا عليه ، وهذا مرجوع إليه بسهولة الخطب فيه . وبالجملة ، الرجوع إلى المجتهد في الأوّل ثابت بخلاف الثاني ، والأصل عدمه .
فإن قلت : ما الفرق بين الفتاوى وبين القضايا والحدود ؛ حيث يجوز في الثاني حكمه ويكون نافذا البتّة وإن كان في وقائع جزئيّة دون الأوّل ؟
قلت : لأنّه ثبت فيه بدليل ، ولم يثبت في الأوّل ، على أنّ الفرق بينهما واضح لا يكاد يخفى ؛ فإنّ المكلّف به في الأوّل فعل المكلّف نفسه ، بخلاف الثاني ، فإنّه رئاسة وحكومة ، فلا يصحّ إلّا من الإمام أو من نصبه وإن حصل العلم بهذه الوقائع لغيرهما ، فتأمّل » . ( منه ) .
( 2 ) . في بعض النسخ بدل ما بين القوسين : « أنّه دلّت الآثار والأخبار وأفتى به العلماء » .