إنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « فإذا خفي الشهر فأتمّوا العدّة ، شعبان ثلاثين يوما ، وصوموا الواحد وثلاثين » « 1 » الخبر .
فهذه الأخبار وما في معناها - من الأخبار المتكثّرة ، والآثار المتعدّدة التي طوينا الكشح عن ذكرها ؛ للكفاية في ما أوردنا - تدلّ على المقصود .
أمّا طائفة منها ؛ فلأنّه قد علّق فيها الصوم ، أو كلّ من الصوم والإفطار على الرؤية ، فلا يجب بغيره إلّا ما إذا دلّ دليل عليه . وقد ثبت بما ذكرنا من الأدلّة السابقة أنّ ثبوت الرؤية الشائعة ، وشهادة عدلين ومضيّ ثلاثين يقوم مقام الرؤية ، ولم يقم دليل صالح على قيام حكم الحاكم مقامه ، فلا أثر له « 2 » .
وأمّا طائفة أخرى منها ؛ فلأنّه قد أمرنا فيها بإتمام الثلاثين عند عدم الرؤية والاشتباه ، فنعمل على مقتضاها إلّا في صورة ثبوت الرؤية الشائعة ، أو شهادة عدلين ، كما عرفت مرارا .
احتجّوا للأوّل بوجوه « 3 » .
الأوّل : عموم ما دلّ على أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه .
الثاني : أنّه لو قامت عنده البيّنة فحكم بذلك ، وجب الرجوع إلى حكمه ، كغيره من الأحكام ، والعلم أقوى من البيّنة .
الثالث : أنّ المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين وما تتحقّق به العدالة ، - إلى قوله - :
« فيكون مقبولا في جميع الموارد » .
والجواب عن الأوّل أنّه إن أريد بعموم ما دلّ على أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه أنّ الدليل يعمّ جواز حكم الحاكم بما علمه في القضايا « 4 » والحدود وكذا في الفتاوى فيما يصحّ فيه الإفتاء
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 161 ، ح 454 .
( 2 ) . « لا يذهب عليك أنّ صحيحة محمّد بن مسلم ، وموثّقة إسحاق بن عمّار مشتملتان على كلّ من التعليق والأمر المذكورين فيهما ، دالّتان على المقصود من وجهين ، وداخلتان في كلتا الطائفتين » . ( منه ) .
( 3 ) . « ذكر تلك الوجوه - نصرة لخيرة الدروس - السيّد المحقّق ( طاب رمسه ) في المدارك [ ج 6 ، ص 170 ] . وظاهره التردّد في المسألة ؛ فإنّه أورد تلك الوجوه للأوّل ، وبإزائها وجها للثاني ، ولم يرجّح شيئا » . ( منه ) .
( 4 ) . « وهذه المعرفة تحصل لأكثر المكلّفين ، بل لجميعهم بسهولة ، ومن غير كلفة ، وإن لم يعرفوا أدلّة الكلام ، ولم يقفوا عليها ؛ ولهذا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يحكم بإسلام الأعرابيّ من غير أن يعرض عليه أدلّة الكلام ، لا يلزمه بها بل يأمره بتعلّم الأمور الشرعيّة اللازمة عليه ، كالصلاة وما أشبهها » . ( منه ) .