شرائط العدالة الرجوع إلى قوله في جميع الموارد حتّى في ثبوت رؤية الهلال ، والسند ما مرّ مستقصى من بيان الفرق في ذلك بينهما ، وأنّ الأوّل ممّا يجب الرجوع إليه دون الثاني ، هذا .
ثمّ لا يخفى أنّ الدليل الأوّل - على تقدير تمامه - لا يعطي إلّا جواز حكم الحاكم فيما نحن فيه بأنّ اليوم يوم الصوم مثلا ، والثاني - على فرض تسلميه - لا يفيد إلّا وجوب الرجوع إلى حكم الحاكم إذا حكم بأنّه يوم الصوم مثلا ، وأنت خبير بأنّ ما ذهبوا إليه لا يتمّ إلّا بكلتي المقدّمتين ، فالدليل الأوّل يتمّ بالثاني ، والدليل الثاني يتمّ بالأوّل ، فهما في قوّة دليل واحد .
نعم ، يتمّ الدليل الثالث من غير الاستعانة بمقدّمة أخرى ؛ إذ محصّله أنّه يجب العمل بكلّ ما يقوله الحاكم ، ولا كلام في أنّه يجوز له القول بأنّه قد ثبت عندي الهلال ، إنّما الكلام في حكمه مطلقا بأنّ اليوم يوم الصوم كما أخذ في الدليلين الأوّلين ، فتأمّل جدّا « 1 » .
فإن قلت : يمكن الاحتجاج للأوّل بما رواه الكليني - بإسناد معتبر - عن محمّد بن قيس ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :
إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما ، أمر الإمام بالإفطار ، وصلّى في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل الزوال ، فإن شهدا بعد زوال الشمس ، أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم ، وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم « 2 » .
فإنّ هذا الخبر يدلّ على أنّه يجب على الحاكم - بعد ما ثبت عنده - أمرهم بالإفطار ، فيجب عليهم الامتثال ، وإلّا فلا فائدة في الأمر . وإذا ثبت بهذا الخبر « 3 » ثبوت يوم الفطر بحكم
هامش
( 1 ) . « يمكن توجيه الدليل الأوّل بأنّ عدم التعرّض للمقدّمة الثانية فيه ؛ لأنّها ممّا لا ريب فيه ، ولو تطرّق المنع في جوب الرجوع إلى حكم الحاكم بعد ما حكمه ، لاختلّ أمر الحاكم ، وجريان حكمه ، ونفاذ أمره .
نعم ، الكلام في حكمه أنّه يجب أن يستند في ذلك إلى أمر يصحّ التعويل عليه ، وهذا أمر آخر .
والدليل الثاني بأنّ المراد من الحكم فيه قوله بثبوت الهلال عنده ، لا الحكم بأنّ اليوم يوم الصوم . ومحصّله حينئذ أنّه كما يحكم عند قيام البيّنة بثبوت الحقّ ويقول : « ثبت الحقّ عندي » وحينئذ يجب العمل عليه والرجوع إليه ، فكذا هنا بالطريق الأولى ؛ لأنّ العلم الحاصل هنا أقوى من البيّنة ، لكن لا يخفى ما في التوجيهين من التكلّف ، فتأمّل » . ( منه ) .
( 2 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 169 ، باب ما يجب على الناس إذا صحّ عندهم الرؤية . . . ، ح 1 ، فيه : « أمر الإمام بإفطار . . . » .
( 3 ) . « وقد مال إلى العمل به السيّد ( قدّس الله روحه ) في المدارك [ ج 4 ، ص 102 ] ؛ لاعتبار سند هذه الرواية ، واعتضادها بما رواه محمّد بن يحيى ، رفعه قال : « إذا أصبح الناس صيّاما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول شهدوا على الرؤية فليفطروا وليخرجوا عن الغد أوّل النهار إلى عيدهم » [ الكافي ، ج 4 ، ص 169 ، ح 2 ] ولا يخلو عن إشكال ، والله أعلم بحقائق الأحكام » . ( منه ) .