تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فهذا هو الذي نذهب إليه في شهر رمضان من أنّ نيّة معرفته بالعدد والحساب ، وأنّه محصور بعدد سالم من الزيادة والنقصان ، ولولا ذلك لم يكن لقوله تعالى :
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
معنى يستفاد . يقال له : ما رأينا أبعد عن الصواب وموقع الحجّة من هذا الاستدلال ؛ لأنّ الله تعالى إنّما جمع بين ما كتبه علينا من الصيام ، وبين ما كتبه على من كان قبلنا ، وشبّه أحدهما بصاحبه في صفة واحدة ، وهي أنّ هذا مفروض مكتوب ، كما أنّ ذلك مفروض مكتوب ، فجمع في الإيجاب والإلزام ، ولم يجمع بينهما في كلّ الصفات . ألا ترى أنّ العدد وفيما فرض علينا من الصيام ، وفيما فرض على اليهود والنصارى مختلف غير متّفق ، فكيف يدّعى أنّ الصفات والأحكام واحدة ؟ على أنّا لو سلّمنا أنّ الآية تقتضي التشبيه بين الصومين في كلّ الأحكام - وليس الأمر كذلك - لم يكن لهم في الآية حجّة ؛ لأنّا لا نعلم أنّ فرض اليهود والنصارى في صومهم العدد دون الرؤية ، واليهود يختلفون في طريقتهم إلى معرفة الشهور . فمنهم من يذهب إلى أنّ الطريق هو الرؤية ، وآخرون يذهبون إلى العدد ، وإذا لم يثبت أنّ أهل الكتاب كلّفوا في حساب الشهور العدد دون الرؤية ، سقط ما بنوا الكلام عليه وتلاشى . فأمّا قوله تعالى :
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
فلم يرد به أنّ الطريق إلى إثبات هذا الصيام وتعيينه هو العدد دون الرؤية ، وإنّما أراد تعالى أحد أمرين : إمّا أن يريد ب‍
مَعْدُوداتٍ
محصورات مضبوطات ، كما يقول القائل : « أعطيته مالا معدودا » يعني أنّه محصور مضبوط متعيّن ، وقد ينحصر الشيء وينضبط بالعدد وبغيره ، فهذا وجه . أو يريد بقوله :
مَعْدُوداتٍ
أنّها قلائل ، كما قال تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
« 1 » يريد أنّها قليلة . وهذان التأويلان جميعا يسوغان في قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
« 2 » . فأمّا قوله : « إنّ المعدود من العبادات محفوظ بعدده ، محروس بمعرفة كمّيّته ، لا يجوز عليه تغييره ما دام فرضه لازما » فهو صحيح ، لكنّه لا يؤثّر في موضع الخلاف في هذه
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 20 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 203 .