وممّا يمكن أن يقال هاهنا في هذا الباب ممّا لم نسبق إليه : أن تجعل
أَيَّاماً
منصوبة بقوله :
تَتَّقُونَ
، كأنّه قال : لعلّكم تتّقون أيّاما معدودات ، أي تحذرونها وتخافون شرّها ، وهذه الأيّام أيّام المحاسبة ، والمؤاخذة ، والمساءلة ، ودخول النار ، وما أشبه ذلك من الأيّام المحذورة المرهوبة . ويكون المعنى : إنّ الصوم إنّما كتب عليكم لتحذروا هذه [ الأيّام ] وتخافوها ، وتتجنّبوا القبائح وتفعلوا الواجب .
ثمّ حكى صاحب الكتاب عنّا ما لا نقوله ولا نعتمده ولا نسأل عن مثله ، وهو : « أنّ قوله تعالى :
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
إنّما أراد به إن كان عددها [ كذا ] » . وتشاغل بنقض ذلك وإبطاله ، وإذا كنّا لا نعتمد ذلك ولا نحتجّ به فقد تشاغل بما لا طائل فيه . والذي نقوله في معنى
مَعْدُوداتٍ
من الوجهين ما ذكرناه فيما تقدّم وبيّنّاه ، فلا معنى للتشاغل بغيره .
[ المناقشة في الاستدلال الثاني بالكتاب على العدد ]
قال صاحب الكتاب :
دليل آخر من القرآن ، وهو قوله ( جلّ اسمه ) :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
- إلى قوله تعالى -
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » . فأبان تعالى في هذه الآية أنّ شهر رمضان عدّة يجب صيامها على شرط الكمال ، وهذا قولنا في شهر الصيام : إنّه كامل تامّ سالم من الاختلاف ، وإنّ أيّامه عدّة محصورة لا تعتريها زيادة ولا نقصان . وليس كما يذهب إليه أصحاب الرؤية ؛ إذ كانوا يجيزون نقصانه عن ثلاثين ، وعدم استحقاقه لصفة الكمال .
يقال له : من أين ظننت أنّ قوله تعالى :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
معناه : صوموا ثلاثين يوما من غير نقصان عنها ؟
وما أنكرت أن يكون قوله :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
معناه : صوموا العدّة التي وجب عليكم صيامها من الأيّام على التمام والكمال . وقد يجوز أن تكون هذه العدّة تارة ثلاثين ، وتارة تسعة وعشرين يوما ، ومن رأى الهلال فقد أكمل العدّة التي وجب عليه صيامها وما نقص عنها شيئا .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .